طباعة

منظار سايكس بيكو والصورة المقلوبة

 

الخبر:


خطيب المسجد الأقصى يشكر أردوغان على موقفه من حرب كيان يهود على غزة ويتمنى لو كان حكام العرب مثله. موقع اليوتيوب http://youtu.be

/XZfeTPaXZ-A

التعليق:


لم يكن خطيب المسجد الأقصى وحده الذي شكر السيد أردوغان على موقفه الخطابي إلى جانب المنكوبين في غزة أثناء العدوان اليهودي على القطاع في رمضان، بل سبقه في ذلك خالد مشعل، الذي أجرى مكالمة هاتفية مع أردوغان بُعيد الهجمة اليهودية على غزة عام 2012، وشكره على دور بلاده في تسهيل التوصل لوقف الهجوم على القطاع، وأضاف أن الفلسطينيين لن ينسوا أبدا جهود أردوغان في ما يتعلق بغزة.


أيها الكرام:


لست هنا بصدد تقييم موقف أردوغان، ولا محاسبته على خذلانه للمسلمين في غزة وموقفه المفضوح أثناء العدوان الأخير وقبله وبعده. ولا أستغرب هذا الموقف من أردوغان بعد أن علمت ما هو دوره في المنطقة.


وليس غريبا أن يقوم خالد مشعل، أو غيره من المقتاتين على موائد الأمراء، بشكر قطر أو تركيا أو غيرها، وليس مستهجنا أن يقوم محمود عباس أو غيره من العملاء بواجب العرفان للأردن ومصر على مساعدة الوفد الفلسطيني للتوصل مع الوفد اليهودي إلى تهدئة أو وقف دائم لإطلاق النار. لكن المستهجن أن نرى كثيرا من أبناء فلسطين المسلمين، الذين حملوا راية الجهاد، وقد أدركوا أن فلسطين لا تحررها الخطابات، ولا التبرعات يتوجهون لرويبضات العرب وحكام المسلمين بالشكر والعرفان لأنهم قدموا مساعدات مادية من علاج أو غذاء أو أغطية، أو إعادة بناء لما هدمه اليهود.


صحيح أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولكن هل أدرك أهل فلسطين أنهم بموقفهم البطولي الذي قدموا فيه أرواحهم وأبناءهم وبيوتهم في صمود منقطع النظير، قد فضحوا هؤلاء الرويبضات على رؤوس الأشهاد. فلماذا يعودون ليبرؤوهم من مشاركتهم يهود في جريمتهم؟


غريب حقا أن بعض أهل فلسطين ما زالوا ينظرون إلى هؤلاء الحكام على أنهم حكام بلاد جوار، من باب المساعدة الإنسانية، بمعنى أن ما يقدمونه من عون أو دعم مثلهم في ذلك مثل نيكاراغوا أو تشيلي، فإن قدموا دعما وجب علينا شكرهم والعرفان لهم بالجميل، فهم ليسوا مكلفين بذلك. أما أن نشكر حاكم قطر على حفنة ملايين يقدمها لإعادة إعمار ما دمره يهود بتدبير وتآمر منه ومن أقرانه من حكام الجزيرة، أو نشكر أردوغان ونحمده إلى حد التقديس لأنه خطب خطبة رنانة، وأرعد وأزبد وتوعد بالانتقام، فإذا به يرسل الطائرات لتحمل الجرحى ليعالجوا في تركيا بدل دك حصون يهود، فكان موقفه مثل أمير قطر الذي تقدم بمساهمات لإعادة الإعمار، هذا ولا ننسى أن السيسي أيضا فتح المجال لعلاج بعض المصابين، فكان لزاما على أصحاب هذه النظرة المقلوبة بمنظار سايكس بيكو أن يشكروا السيسي أيضا على جهوده التي قدمها للتهدئة والوساطة مع يهود.


أيها المسلمون:


إن تخلينا عن النظرة الصحيحة من منظار الإسلام التي تحتم ضرورة تحمل كل مسلم مسؤوليته تجاه ما يجري في فلسطين، وفي بقية بقاع الأرض الإسلامية من تهجير وقتل ودمار، مدركين أن تحمل هذه المسؤولية واجب شرعي، وليس مجرد عمل إنساني، وهو واجب مفروض يأثم من تركه ويحاسب ويعاقب، وليس تطوعا يشكر فاعله أو يمدح، وهو عمل المخلصين الدؤوب، ومن تركه صار في صفوف المثبطين. فكيف نرضى نحن المسلمين أن يكون عند هؤلاء الحكام جيوشٌ عظيمة، تَغِيْرُ على كردستان فتدك معاقل الأكراد، وتشارك الناتو في أفغانستان، وتطارد الحوثيين في اليمن، وتقصف المتظاهرين السلميين في الميادين، وتصب حمم البراميل المفتجرة على الأطفال والشيوخ، وتصطف في كل مناسبة تستعرض قوتها، في عيد الاستقلال ويوم الجلاء أو اليوم الوطني، تظهر قوتها وتستعرضها لتخيف الشعوب لا لتدافع عنهم أو تحميهم.


أيها المسلمون:


لئن تجذرت نظرة سايكس بيكو في مفاهيم هؤلاء الرويبضات من الحكام وأذنابهم، فهذا مقبول عقلا لأنهم منتفعون بها ويدافعون عنها ومستعدون لقتلكم في سبيلها، ولكن كيف لكم وقد علمتم أن الذي أضعفكم وأذلكم هو هذه الفُرقة وهذا التقسيم السياسي والجغرافي المصطنع، كيف لكم أن تشكروا هؤلاء؟ لقد أصبح لزاما عليكم أن تضعوهم أمام مسؤلياتهم، فإن قاموا وحركوا الجيوش فنصروكم، وإن لم يفعلوا فإن الأجدر بكم أن تلعنوهم لأنهم خذلوكم، لا أن تقدموا لهم الشكر والعرفان على لقيمات وفتات وضمادات جراح لا تسمن ولا تغني من جوع.


إن إصراركم على النظر من منظار سايكس بيكو يبعدكم عن الحق، لأنه منظار مقلوب، قلب حقيقة وحدتكم التي أمر الله بها حين قال ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، وحولها إلى مزق ودويلات هزيلة، لا تلوي على شيء ولا حول لها ولا قوة، وأوهموكم أن الوحدة بعيدة المنال.


آن لكم أن تعيدوا النظر من منظار هذا الدين، وأن تسيروا مع العاملين في درب الحق لإعزاز الدين بدولة راشدة على منهاج النبوة، التي لن تكتفي بالخطابات ولا فتح المستشفيات أو أكياس الطحين وعلب السردين، بل تعد الجيوش لسحق دولة يهود، واستئصالِ شأفتها ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ﴾

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سيف الحق - أبو فراس