السبت، 22 جمادى الأولى 1441هـ الموافق 2020/01/18م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

فلسطين: خطبة جمعة "القيادة الرشيدة وقاية من المهالك"


لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 19 رمضان المبارك 1437هـ الموافق 24 حزيران/يونيو 2016م

 

القيادة الرشيدة وقاية من المهالك

 

(الخطبة الأولى) أيها الناس: اتهمت الحكومة الأردنية تنظيم الدولة بالوقوف خلف الهجوم المسلح الذي تعرضت له القوات المسلحة الأردنية في منطقة الركبان على الحدود بينها وبين سوريا بسيارة ملغمة أدى إلى مقتل ستة عسكريين أردنيين وجرح أربعة عشر آخرين، وكان الأردن قد تعرض لعملية نوعية أخرى قبل أسبوعين أودت بحياة خمسة أفراد من مرتب المخابرات العامة. وهذه مسألة تثير العجب، فكيف تمكنت قوات التنظيم من الوصول إلى مواقع محصنة بعيدة، ولم تستطع الوصول إلى مواقع قوات النظام السوري المهلهلة والقريبة في دمشق وضربها، وهي التي تقتل وتنكل في أهل الشام؟ ولماذا أصبحت القوات الأردنية هدفا عسكريا للتنظيم في توسع لافت للنظر لفعالياته جنوبا، في حين تقلصت فعالياته تماما في جميع الاتجاهات في الرمادي والفلوجة والجولان ومنبج وغيرها كما تقلصت من قبل في كوباني وغيرها، رغم وجود الخصوم المذهبيين فيها بأهداف سهلة مكشوفة؟ ولماذا يشتري التنظيم عدوا جديدا بدل أن يكسب صديقا يعينه في الانقضاض على النظام الحاكم الباطش في سوريا، وينقذ أهل الشام من محنتهم ويعينهم على نكبتهم؟ وهل يسعى النظام الأردني إلى توريط الجيش في حرب لا ناقة له فيها ولا بعيير، بعد أن خذل نساء وأطفال سوريا ونكل بهم في مخيمات الموت، ليشن حرباً على تنظيم الدولة ويترك المجرم الأكبر الذي كان سببا في هذه الكوارث التاريخية التي لحقت بالشام وأهله؟ وهل حدث ما توقعه الدكتور المعتقل أمجد قورشة من بدء تنفيذ مخططات أمريكا الهادفة إلى توريط الجيش الأردني في حرب تنظيم الدولة خدمة لأجندة غربية رخيصة تُراق فيها دماء المسلمين، كما هو متورط في ليبيا وكينيا، ومن قبل ما تورط في الجزائر وعُمان واليمن وغيرها تحت شعارات متعددة ليس أسوأها قوات حفظ ما يسمى بالسلام الدولية؟

أيها الناس: هذه هي جيوشنا تحت إمرة السفهاء، تحمي الأنظمة التي تنشر الفساد والفاحشة بين الشباب، وتسكت تماما عن التطبيع العلني مع الغاصبين للأرض المباركة فلسطين، وتحارب المخلصين من المسلمين الداعين إلى الانعتاق من التبعية للنظام الدولي والاحتكام لشريعة الرحمن سبحانه، وتعتقلهم بشكل دائم وممنهج، صدا عن سبيل الله، ومنعا لإقامة الخلافة الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة في بلاد المسلمين. وقد رأيتم كيف قادت هذه الأنظمة الفاسدة وزعماؤها السفهاء الفاقدون لأي رشد قيادي، كيف قادت جيوش المسلمين إلى حروب لا صلة له بالجهاد في سبيل الله، بل خدمة لأغراض أميركا وحلفائها، فلا غرابة بعد ذلك أن تتمادى هي وروسيا وفرنسا وبريطانيا وأضرابهم في قتلنا ونهب ثرواتنا.

لا يُلام الذئب في عدوانه *** إن يكُ الراعي عدوَّ الغنم

أيها الناس: إن الأردن يتعرض لضغط شديد من أجل الدخول في حرب خاسرة في سوريا، واستعمال قواتها المسلحة والأمنية للدخول في حرب برية في سوريا على النهج الأمريكي، ووفق خططها وغاياتها، وهي تعلم أنها خاسرة بامتياز! فإيران وحزبها الطائفي في لبنان قد خسروا في الشام خسرانا مبينا، وخسرت روسيا المجرمة كما خسر نظام بشار الجزار، وخسر تنظيم الدولة الذي يتخبط في جبهاته في أتون حرب طاحنة دون رشد أو هداية. والحركات المسلحة الأخرى لا تزال بين دفتي طاحونة هذه الحرب التي أهلكت الحرث والنسل دون أن يلوح في الأفق انتصار لأي فصيل أو مشارك. وهذا لعمري دليل قاطع على تهوك جميع القيادات التي تدير المعارك على أرض الشام، كما هو حالها في العراق واليمن والباكستان وليبيا وفلسطين وباقي مناطق العالم الإسلامي. وهو في الوقت نفسه دليل قاطع على حاجة الأمة الإسلامية إلى قيادة رشيدة تنقذها من هذا المأزق، وتقيها مهالك السياسة الخاطئة الكاذبة، وتقودها إلى بر الأمان الذي لا يتحقق إلا بتطبيق شرع الله في أرض الله دون تحريف أو تبديل أو تأويل أو تعطيل.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد صدّع الإعلام الفاسد رؤوسنا بمقولة رشد الحكام، وحكمتهم، وقيادتهم الرشيدة، وحرصهم على المواطنين، وأمثال ذلك من مقولات الدجل السياسي، والترويج للعملاء، والاستماتة في بقاء الولاء لهم، واستمرار الحال على ما هو عليه دون تغيير جذري يطيح بعروشهم التي قامت على أنقاض الخلافة الإسلامية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. فأين هو هذا الرشد الذي ما أورثنا إلا ذلاً ومهانة وقتلا وتدميرا؟ وأي رشد هذا الذي سيُدخل الأردن في معمعة الشام وأتونها الحارق؟ وهل من الحكمة حبس الجيش الأردني نصف قرن من الزمان عن تحرير فلسطين، وإطلاقه ليهلك في محرقة الشام الملتهبة؟ فماذا في الشام إلا نظام بشار الجزار، وهو في عهدة أمريكا، وحمايته موكولة لروسيا وإيران وحزبها في لبنان، وحركات مسلحة قد احتربت مع بعضها أو مع تنظيم الدولة. فدخول الأردن الحرب في سوريا غير مبرر، وتسارع الأحداث في الأردن وتهديد أمنه الداخلي ضغط مستمر عليه لدخولها. وإنا لنرجو أن يكون هذا الفصل الجديد من فصول ثورة الشام المباركة، استدراجا ربانيا لطاغوت العصر أميركا ووبالا عليها وعلى من شايعها، وينعدم الأمن في المنطقة بعد سقوط آخر معاقله المزعومة، وتكبر مساحة الفراغ السياسي فيها على نحو لا يملأُه إلا الخلافة الإسلامية الحقيقية، تلكم الدولة التي لا يمكن أن توصم بالإرهاب، بل هي التي ستنشر العدل والأمان، وتتخطى مكائد الشيطان، وتجهز على نفوذ الكفر في الشام وغيرها في وقت قياسي، تحت قيادتها الحكيمة الرشيدة، ورجالها السياسيين المخلصين، وجيشها المجاهد المظفر، وما ذلك على الله بعزيز.﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾.

أيها الناس: ثقوا بوعد الله لكم بالاستخلاف والتمكين والأمن، وادعوه مخلصين له الدين أن ينجينا من هذا الكرب العظيم، ويجعل الدائرة تدور على الكافرين الظالمين المعتدين، فإن الله ينتقم من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما، كما قال سبحانه وتعالى، {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}. فاللهم ادفع الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين غانمين.