السبت، 22 جمادى الأولى 1441هـ الموافق 2020/01/18م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "المسلمون بين رمضان الأمس ورمضان اليوم"

 

 

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 26 رمضان المبارك 1437هـ الموافق 01 تموز/يوليو 2016م


(الخطبة الأولى) أيها الناس: شهد شهر رمضان الكريم بالأمس العديد من الحروب والغزوات على مر التاريخ، ويسجل التاريخ أنه لم يخض المسلمون حربا في رمضان إلا وكان النصر حليفا لهم، خصوصا غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم التي خاضها في الشهر الكريم، وهما غزوتا بدر الكبرى وفتح مكة. أما غزوة بدر الكبرى فكانت في رمضان من السنة الثانية للهجرة حيث خرج المسلمون بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعترضوا قافلة لقريش يقودها أبو سفيان.

ولكن أبا سفيان غَيّرَ طريقه إلى الساحل واستنفر أهل مكة، فخرجوا لمحاربة المسلمين والتقى الجمعان في بدر في السابع عشر من رمضان سنة اثنتين للهجرة، ونصر الله رسوله والمؤمنين رغم قلة عددهم وعدتهم، فقد كانوا ثلاثمائة وسبعة عشر وكان المشركون أكثر من ألف، وأثمرت نتائج النصر ثمارًا كثيرة، فقد ثبتت دولة الإسلام الفتية، وعلت مكانتها عند القبائل التي لم تسلم بعد، واهتزت قريش في أعماقها وخسرت كبار أعمدة الكفر فيها. وخلال سنة واحدة تحققت للمسلمين في المدينة عوامل أمن خارجية وداخلية، فقبائل غطفان وسليم التي كانت تعد لمهاجمة المسلمين بلغها انتصار المسلمين في بدر وتحركهم بعد ذلك لضربها، فخافت وتركت ديارها وخلفت غنائم كثيرة للمسلمين، كما أجلي بنو قينقاع إحدى قبائل اليهود لكيدهم بالمسلمين وعدوانيتهم.

وكانت تلك الغزوة فرقانا بين الحق والباطل، تلك الغزوة التي جعلت للمسلمين كيانا مهابا وجانبا مصونا، وأصبحوا بعدها قوة ضاربة يهابها الكفار.


أيها الناس: وفي السنة الثامنة من الهجرة، وفي شهر رمضان منها تحقق أكبر فتح للمسلمين وهو فتح مكة، المعقل الأكبر للشرك آنئذ، فقد نقضت قريش الصلح الذي عقدته مع المسلمين في الحديبية، حيث ساعدت قبيلة بكر في حربها ضد خزاعة، وأحسّت قريش بخيانتها، فأرسلت أبا سفيان إلى المدينة؛ ليقوم بتجديد الصلح مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويزيد في مدّته، ولكنه فشل في ذلك، وعاد إلى مكة خائبًا.

ثم خرج ثانية عندما اقترب الجيش من مكة، ولم يستطع أن يفعل شيئًا، فأسلم وعاد إلى مكة ليحذر قريشًا من مقاومة المسلمين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم على فتح مكة، فأخذ يُعِدّ العدّة لذلك في سرية وخفاء. وفي اليوم العاشر من شهر رمضان في السنة الثامنة من الهجرة تحرّك عشرة آلاف صحابي تحت قيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لفتح مكة، وخرجوا من المدينة وهم صائمون. وفى الطريق إلى مكة، قابل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمه العباس مهاجرًا مع أهله إلى المدينة، فصَحِب العباس رسول الله في سيره إلى مكة، بينما تابع أهله طريقهم إلى المدينة.

وتحرّك الجيش، ودخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة، ولم يلق المسلمون أي مقاومة تُذكَر أثناء دخولهم مكة سوى بعض المناوشات بين خالد بن الوليد وبعض رجال قريش هرب المشركون بعدها، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بألا يقاتلوا إلا من قاتلهم. وبعد أن هدأت أوضاع الناس دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسجد الحرام وحوله الأنصار والمهاجرون، ثم طاف بالبيت وفي يده قوس، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فأخذ يطعنها بالقوس، ويقول: (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَأنَ زَهُوقًا}.

وأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- مِفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، وفتحها ثم دخلها، فرأى صورًا فمحاها، وحطّم الأصنام، ثم صلى في داخلها، وخرج فوجد المسجد قد امتلأ بأهل مكة ينتظرون مصيرهم، فخطب فيهم، ثم قال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم"؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: "فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء"، ثم أعطى رسول الله مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة.


(الخطبة الثانية) أيها الناس: هكذا كنا بالأمس في شهر رمضان، نقطع طريق قوافل الكفار ونضرب اقتصاداتهم، ونقاتلهم ونقتلهم ونشرد بهم من خلفهم، ونفتح حصون الشرك ونحطم أصنامها ونمحو آثارها، ونبسط سلطان الإسلام فوق ربوع الدنيا، فنعاقب أكابر المجرمين، ونعفوا عن المستأمنين الطائعين المستسلمين، وذلك كله من خلال دولة الإسلام الواحدة.

فكيف ترون أمتنا اليوم أيها المسلمون في شهر رمضان؟ إنها بعيدة بعد المشرقين عما أرادها نبينا أن تكون، وتزداد بعدا مع كل رمضان منذ هدم الخلافة، بل إنها تزداد سوءً مع اقتراب كل رمضان من آخره عما كانت عليه في أوله. فها هي مقسمة إلى بضع وخمسين كيانا ضعيفا مسخا لا يحكم واحد منها بما أنزل الله، بعد أن كانت دولة واحدة قوية تطبق شرع الله. ويتجمع المسلمون في المساجد الثلاثة وغيرها بأعداد كبيرة في قيام رمضان وليلة القدر، كما يتجمعون في ملاعب الرياضة غثاءً كغثاء السيل، وقد نزع الله المهابة منهم من صدور أعدائهم وقذف في قلوبهم الوهن! وها هي تحيي ليلي شهر رمضان باحتفالات مبتذلة في باب العمود عند أسوار المدينة المقدسية وعلى بعد أمتار قليلة من المسجد الأقصى، فنرى راقصا أو منشدا مكان كل مقاتل ومجاهد أو حارس ثغر من ثغور المسلمين! وبعد أن كان المسلمون في جنبات المسجد الأقصى بين معتكف أو قائم أو عالم أو متعلم، صرنا نراهم بين نائم أو لاه أو مثرثر! وصرنا نرى قاتلا مسلحا يصوب سلاحه نحو صدر أخيه فيرديه قتيلا أو جريحا في شجارات عائلية لأتفه الأسباب، ليغضب عليه الله ويخلد في جهنم بعد صيام كان ينبغي أن يدخله إلى الجنة من باب الريان! ونرى حاكما مخادعا متأسلما يطبع العلاقات مع غاصب الأقصى وفلسطين، ويستجدي الصلح مع قاتل أطفال الشام مبديا استعداده لدفع ثمن الطائرة الروسية التي أسقطتها نسور الجو التركية! ونرى حركات إسلامية تتخلى عن رعاية شؤون الناس على أساس الإسلام، وتتبع الناعقين بالعلمانية، في محاولة يائسة وفاشلة لإرضاءً اليهود والنصارى! ونرى المجاهدين المسلمين في الشام وغيرها يقاتلون تحت مظلات غير إسلامية، ويرفعون رايات عمية، ويعرضون المدنيين الأبرياء للانتقامات الطائفية من جيوش الحشد المضلَّلة! ونرى ونرى ويا هول ما نرى، والمقام يضيق عن وصف ما نرى.


أيها الناس: أما آن الأوان لكن نصلح آخر أمر هذه الأمة بما صلح بها أوله؟ فتعالوا نقيم خلافتنا الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، ففيها والله عزنا ونصرنا، وبها نعيد مجدنا التليد، ويرضى عنا ربنا العزيز الرشيد.