السبت، 22 جمادى الأولى 1441هـ الموافق 2020/01/18م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "حسن الكلام وقاية من الشر"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 03 شوال 1437هـ الموافق 08 تموز/يوليو 2016م

 

 

 

حسن الكلام وقاية من الشر

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، وروى البخاري وابن ماجة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى). فالسماحة في البيع والشراء والقضاء وباقي التعاملات هدي نبوي تربوي فيه خير كثير، تربى عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اقتفى أثرهم. وأحسب أن هذا النوع من التربية مفقود في واقعنا المعاصر، لغياب المربي الأكثر تأثيرا في الناس وهو الخليفة، حيث طغت المادة على المعاملات، وصار أمرا اعتياديا أن يتطور شراء سلعة بسيطة أو تعامل مالي أو قضائي أو غيره إلى خلاف كبير، يقدر ثمن معالجته أضعاف ثمن السلعة نفسها أو المطلب المالي أو المستحق المعنوي، والسبب غياب السماحة بين أصحاب العلاقة. فالسماحة في المعاملات نوع من العلاقة الربانية بين الناس لا تقف عند حدود تحقيق المنفعة المادية المتبادلة، بل فيها جانب روحي، يثمر مجموعة من النتائج الطيبة، أقلها إتمام المعاملة بهدوء نفس وطمأنينة بعيداً عن الانفعال والغضب، مما ينعكس على سلامة البدن والنفس وضمان عدم حدوث خلاف لفظي، أو تطور الأمر لاحتكاكات بدنية. إضافة إلى الخير الذي يتحقق من خلال دعاء كل طرف للآخر بالبركة والهداية والسكينة، وشكر الله على نعمه، والامتثال لأوامره ونواهيه، وهذا جزاؤه عند الله كبير. رَوَى بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَطْيَبَ الْكَسْبِ كَسْبُ التُّجَّارِ الَّذِينَ إِذَا حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا، وَإِذَا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، وَإِذَا وَعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا، وَإِذَا اشْتَرُوا لَمْ يَذِمُّوا، وَإِذَا بَاعُوا لَمْ يُطْرُوا، وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْطُلُوا، وَإِذَا كَانَ لَهُمْ لَمْ يُعَسِّرُوا". حديث مرفوع. وقال الذهبي في الكبائر: إن سهل بن عبد الله التستري من علماء الأمة من المتعبدين، وأهل التقوى والصلاح وذوي التقى والعفاف، والاشتغال بالعبادة ونحو ذلك يقول: كان بجواره مجوسي وكان المجوسي قد وضع مرحاضا على رحبة بيت سهل التستري، فكان الأذى من البول أو الغائط يسقط في البيت، فخشي سهل أن أبنائه يغضبون على هذا الجار ويفتكون به، فوضع إناءً يجتمع فيه الأذى، فإذا جن الليل ذهب به خارج البيت وأراقه ورجع. واستمر الأمر سنين عديدة هذا يؤذي وهذا يتلقى ويريق، حتى إذا حضرت سهل الوفاة دعا الجار وقال: والله ما دعوتك في هذا المكان لكي ألومك، ولكن إنك عملت كذا وكذا وأنا الآن على وشك الانتقال من الدنيا، وأخشى أن يسيء إليك أولادي بعدما أحسنت إليك، فانظر إلى هذه الرحبة وهذا المرحاض، وضعته علي عشرين سنة وأنا أتلقى أذاه وأريقه إذا جن الليل، خوفا من أن يطلع أولادي على شيء من ذلك. فقال: يا سهل استحلفك بالله هل كنت تفعل هذا؟! قال المجوسي: فإني أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله”.

أيها الناس: لقد أدى تعامل جاف بين شخصين في بلدة مجاورة لكم إلى جريمة قتل بشعة هزت أركانها، وزلزلت أهلها، وأفسدت عليهم جو عيد الفطر من أو أيامه حتى هذه الساعة، وذهب ضحيتها شاب في مقتبل العمر قد تزوج حديثا، ومولوده الأول لا زال في بطن أمه، ثم تطور الأمر إلى إحراق بيوت وممتلكات أخرى، وإخراج العشرات من ديارهم، وإغلاق بيوتهم ومحالهم التجارية، وتعطيل مصالحهم، تحت طائلة التهديد بالقتل والأخذ بالثأر، ناهيكم عن العابثين والحاقدين والمفسدين من تجار السلاح والمرتبطين بأجهزة تدمير منظومة الوئام المستقرة بين المسلمين، لنزع الرحمة من قلوبنا، وتطبيق القيم الرأسمالية الهابطة علينا. وإليكم هذا النموذج من بلاد الغرب الرأسمالي، حيث طردت طالبة ثانوية في ولاية تينيسي الأميركية من الصف لأنها قالت لزميلها حين عطس "رحمك الله"، في رد فعل عفوي اعتبرته "لائقاً"، فما كان من المعلمة إلا أن سألت الطالبة: من علمك أن تقولي ذلك؟ لتجيبها الطالبة أن أهلها والقس (الكاهن) علموها أنه من الكياسة قول ذلك. إلا أن جواب الطالبة لم يعجبها، فقالت لها "حري بك إذن أن تدعي القس يعلمك، لن أسمح بأحاديث عن الله في صفي"، وطلبت منها الخروج من الصف والتوجه إلى مكتب الناظر، بحجة أنها تكلمت دون إذن، وأحدثت بالتالي فوضى ومقاطعة للدرس في الصف. وكان رد فعل الإدارة بكل بساطة: "إذا لم تعجبك القوانين التي تضعها المدرسة والمعلمة ولم تلتزمي بها، فحريّ بك أن تتابعي دروسك لدى القس". وهذا عند من تبقى لديهم بقية من كتب سماوية محرفة، فكيف هو الحال عند من أنزل عليهم قرآن محض لم يُشب؟

(الخطبة الثانية) أيها الناس: عندما يصنف العالم كتابا فإنه يتضمن عبارة: {اعلم رحمك الله}، وهذا دعاء من المصنف للقارئ يدل على محبته له وشفقته عليه وأنه راغب في حصول الخير له، ويستعمل العلماء والخطباء والمحدثون مثل هذه العبارة كثيرًا، فيقولون: (اعلم رحمك الله)، (اعلم أرشدك الله لطاعته)، (أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة)، وأمثال هذه الألفاظ الطيبة التي يؤتى بها للتنبيه، وحث السامع على أن يصغي لما سيقال، فهي أمر بتحصيل العلم والتهيؤ لما سيلقى من العلوم. وقوله: {رحمك الله} جملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى؛ لأن المراد بها الدعاء للمتعلم بالرحمة، أي: غفر الله لك ما مضى من ذنوبك، ووفقك وعصمك فيما يستقبل، هذا إذا أفردت الرحمة، وإذا قرنت بالمغفرة: فالمغفرة لما مضى، والرحمة لما يستقبل بالتوفيق للخير والسلامة من الذنوب. وسئل أحد العلماء: ما معنى كلمة رحمك الله..! فأجاب: أفاض عليك من رحمته ما يوصلك إلى مطلوبك وتنجو به من محذورك.

أيها الناس: لستم بمنأى عما حصل عند جيرانكم، فتعالوا بنا نتعظ، ونحدث تغييرا ملموسا في تعاملاتنا مع بعضنا، فلا نخاطبهم إلا بلين الكلام وأحسنه، ولنكثر من قول رحمك الله عند البيع والشراء والخصومة والقضاء، ولندع لإخواننا بالهداية والرشاد والسداد في كل مناسبة، فإن حسن الكلام يخرج الحية من جحرها كما قالوا قديما، وأما سيء الكلام فهو مدعاة لنشوب الحروب الطاحنة، كما قال الشاعر:

أرى خلل الرماد وميض نار          ويوشك أن يكون لها ضرام

فإن النار بالعودين تُذكى             وإن الحرب أولها كلام

فإن لم يطفها عقلاء قوم             يكون وقودَها جثث وهام