الجمعة، 09 شعبان 1441هـ الموافق 2020/04/03م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة عيد الفطر 1437هـ

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله) بيت المقدس،

 

 01 شوال 1437هـ الموافق 06 تموز/يوليو 2016م

 

 

 

المسلمون بين هلالين

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}، وهذا خطاب من الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجيب الصحابة الذين سألوا عن الحكمة في هذه الأهلة، فبين الله سبحانه وتعالى أنها مواقيت للناس في معاملاتهم وعباداتهم وغير ذلك مما يحتاجون فيه إلى التوقيت. وقد اتفق العلماء على أن المراد بهذه الشهور هي الشهور الهلالية التي تبدو في الغرب صغيرة ثم لا تزال تنمو رويدا رويدا إلى أن يتكامل نموها في نصف الشهر، ثم تعود إلى الاضمحلال حتى تنتهي، ثم تعود مرة ثانية فتخرج من المغرب مؤذنة بشهر جديد.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

لقد مر هلال شهر رمضان فوق فلسطين فرآها محتلة مغتصبة من نهرها شرقا إلى بحرها غربا، ومن شمالها إلى جنوبها، ومسجدها الأقصى يرسف في قيود الأسر التي أدمت معصميه، ويمنع المصلون من شد الرحال إليه والوصول إلى ساحاته تحت طائلة العمر والجنس والملف الأمني والمزاج الشخصي للجنود. وأما أرضها فمغلولة ومقسمة، والحواجز العسكرية تقطع أوصال أهلها، والفقر والجهل يعملان فيهم ليزدادوا وبالا فوق وبالهم. ثم أسلمهما لهلال شهر شوال والمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم يتغير ولم يتبدل.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

ومر هلال شهر رمضان فوق الشام فرآها تشتعل في حرب عالمية ثالثة، وقد تكالبت عليها الأمم وتداعت، ومزقتها التنظيمات المسلحة المتحاربة وقوات النظام المتهالكة، وطائرات الغزاة الكفار وأعوانهم من دول الجوار، وصار أهلها بين شهيد وشريد وطريد ومهجر ومذاد عن بوابات الدول القريبة والبعيدة كما تذاد الإبل الضالة. ثم أسلمها لهلال شهر شوال والمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم يتغير ولم يتبدل.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

ومر هلال شهر رمضان فوق تركيا فرآها تسير في الاتجاه المعاكس لشرع الله خلافا لما يزعمه حكامها العلمانيون، بل إنه تعجب أشد العجب من هرولتهم نحو التطبيع مع الغاصبين لأرض المسلمين، والغزاة القاتلين لأبنائهم، في مشهد مفضوح لا ينفع معه تبرير ولا تجميل، ولا تفيد فيه التورية والمعاريض. ثم أسلمها لهلال شهر شوال والمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم يتغير ولم يتبدل.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

ومر هلال شهر رمضان فوق العراق فرآه يموج تحت وطأة التفجيرات القاسية وأعمال الفتنة الطائفية البشعة، والتناحر الطائفي البغيض بين التنظيمات العمياء التي لم تجلب على الأمة خيرا قط منذ دخولها في أتون هذه المعمعة الحارقة. ثم أسلمه لهلال شهر شوال والمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم يتغير ولم يتبدل.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

ومر هلال شهر رمضان فوق اليمن السعيد فرآه أبعد ما يكون عن السعادة، وبحث عن الحكمة المعهودة فيه فلم يجد لها أثرا يذكر، ووجد الحرب الأهلية مستعرة بين ما بات يعرف بالحكومة والمعارضة وميليشيات المخلوع، ووجد طائرات ما يسمى بالتحالف العربي تلقي بحممها القاتلة المدمرة في عاصفة حزم أخطأت المكان والزمان والأشخاص، تنفيذا لصراع لئيم بين القوى العالمية الكبرى وحلفائهم من دول المنطقة، وقوده أهل اليمن، وهم الخاسر الأكبر فيه. ثم أسلمه لهلال شهر شوال والمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم يتغير ولم يتبدل.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

ولقد أكمل هلال شهر رمضان طريقه نحو أرض الكنانة، ليرى مصر تغرق في حالة من الطغيان الفرعوني قلما شهدت له مثيلا، وسجونها تفيض بالنزلاء رغم بناء العشرات منها مؤخرا، ويحذر فرعونها الجديد غير المسلمين من دخول الإسلام واعتناقه قبل أن يفكروا مليون مرة!! في صد عن سبيل الله غير مسبوق. ثم أسلمها لهلال شهر شوال والمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم يتغير ولم يتبدل.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

ولما أطل هلال شهر رمضان على ليبيا وجدها أشلاء ممزقة، تتجاذبها الصراعات الدموية والتنازعات السيادية، بقيادات مشبوهة، وأدوات رخيصة، وصار رجال بلد المليون حافظ للقرآن الكريم، يرفعونه على أسنة الرماح، ليقدموا للمسلمين في ليبيا أسوأ تعزية بعد أن قدموا التضحيات العظيمة للتخلص من الطاغية القذافي، فما قدروا شعبهم حق قدره عندما أصابوهم بلعنة الفرقة تحت حكم رجال الثورة بعد الوحدة تحت حكم الطاغوت ورجاله. ثم أسلمها لهلال شهر شوال والمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم يتغير ولم يتبدل.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

لقد رحل هلال شهر رمضان عن ليبيا وأطل على جارتها تونس ليجدها قد أكلت ثورتها التي أجبرت الطاغوت على الهرب، ورجعت القهقرى إلى أيام الكبت الفكري والقهر السياسي، ولم يلمح فيها أي تقدم اقتصادي بسبب سرقة الثروات، وسوء الإدارات، وتخبط الأحزاب فيها والحركات. ثم أسلمها لهلال شهر شوال والمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم يتغير ولم يتبدل، بل إن المشهد الدعوي على وجه الخصوص قد تراجع وانتكس بسبب فصله عن العمل السياسي، في سابقة دعوية محرمة تقوي موقف العلمانيين وتضعف موقف الإسلاميين.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،

فما كان من هلال شهر رمضان بعد أن رأى ما رأى، إلا أن يكمل أطلالاته على الجزائر والمغرب وغيرها من بلاد المسلمين صامتا حزينا يشكو أمره وأمر أمة الإسلام إلى الله الواحد الديان قائلا: ويا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا، يا رب لا ترجعني إليهم في العام القادم إلا وقد أقبلوا عليك، واتبعوا سبيلك، وحكموا شريعتك، وقهروا عدوك.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،الله أكبر، الله أكبر،،،

(الخطبة الثانية) أيها الناس: لولا شعاع مضيء يشق عتمة المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي بوجود حملة للدعوة عاملين جادين وهادفين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، لإنهاض الأمة الإسلامية من كبوتها، وإقالتها من عثرتها، ووجود عسكريين مخلصين أبوا إلا أن يطيحوا بطواغيتها، ووجود أصحاب مروءة ونخوة كلما سمعوا عن نكبة في أمتهم طاروا إليها معاونين، ولآلام المنكوبين مخففين، لولا وجود هؤلاء وأولئك لقلنا إن الأمة قد تودع منها. ولكن أعمالهم الطيبة هذه لم تكف بعد للخلاص من البلاء الذي أصابنا، فالطواغيت لا زالوا يجثمون على صدورنا، والكفار المستعمرون يعيثون في بلادنا فسادا. فالله الله في أمتكم أيها المسلمون، والله الله في دينكم، فلا تتركوا العاملين دون عون ومساعدة، فقد ثقل حملهم، وبلغ منهم الجهد غايته. مدوا يد العون إليهم، ولا تبخلوا عليهم بجهد أو وقت أو مال، لتجعلوا هذا الشعاع المضيء كثيفا بعون الله ثم بجهودكم، كي يتمكن من إضاءة ما حوله، فيبدد حلكة الليل ويقضي على سواده، فتكونوا وهم وأمتكم من الفائزين إن شاء الله بالنصر والاستخلاف والتمكين والأمن. واعلموا أن المحنة شديدة، والبلاء عظيم، والطريق شاق وطويل، والله المستعان، وبه الثقة وعليه التكلان.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،،،