الأحد، 04 شعبان 1441هـ الموافق 2020/03/29م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "سعد بن معاذ بين البخيتي والشرادي"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله) بيت المقدس،

 10 شوال 1437هـ الموافق 15 تموز/يوليو 2016م

 

 

 الجمعة 10 شوال 1437هـ                 

    15/7/2016م

 

سعد بن معاذ بين البخيتي والشرادي

(الخطبة الأولى) أيها الناس: لقد اهتزَّ عرشُ الرحمنِ لموتِ سعدِ بنِ مُعاذٍ رضي الله عنه، وذلك استبشارا وفرحا بقدوم روحه، وإشعارا بفضله، ثم يأتي متطفل يدعى علي البخيتي من أهل اليمن بعد أربعة عشر قرنا من الزمان، يهرف بما لا يعرف، ليقول إن سعدا داعشي، بل هو مؤسس المدرسة الداعشية! وقبل أن نعلق على قول المتطفل البخيتي، تعالوا بنا نذكر طرفا من مآثر هذا الصحابي الجليل، والقائد الفذ، والسياسي البارع، والمقاتل الشجاع، سعد بن معاذ. إنه الرجل الذي ساد الخزرجيين من قبائل المدينة أوسا وخزرجا، وهو الذي استجاب لدعوة مصعب بن عمير رضي الله عنه، فأسلم على يديه، وأسلم معه في نفس اليوم جميع قومه. وهو العقل المهندس لبيعة العقبة الثانية التي غيرت مجرى التاريخ بالهجرة التي تلتها بوقت قصير، وبالدولة التي أقيمت للمسلمين في المدينة، مجسدة وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن للذين آمنوا وعملوا الصالحات. وهو الذي نصر النبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه إلى المدينة وفاءً لشروط البيعة، وهو الذي قاتل معه عند خروجه لغزة بدر الكبرى خارج حدود المدينة، وهو الذي خاض غمرات الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الخندق، حيث أُصيبَ سعدٌ يومَ الخَندَقِ، رماه رجلٌ من قريشٍ، يُقالُ له حِبَّانُ بنُ العَرِقَةِ، رماه في الأكحَلِ، فضرَب النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَيمَةً في المسجدِ ليعودَه من قريبٍ، فلما رجَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الخَندَقِ وضَع السلاحَ واغتسَلَ، فأتاه جبريلُ عليه السلامُ وهو يَنفُضُ رأسَه من الغُبارِ، فقال: وضَعْتَ السلاحَ؟ واللهِ ما وضَعْتُه، اخرُجْ إليهِم. قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فأينَ). فأشار إلى بني قُرَيظَةَ، فأتاهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنزَلوا على حُكمِهِ، فرَدَّ الحُكمَ إلى سعدٍ، قال: فإني أحكُمُ فيهم: أن تُقْتَلَ المُقاتِلَةُ، وأن تُسبَى النساءُ والذُّرِّيَّةُ، وأن تُقسَمَ أموالُهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل.

أيها الناس: لقد أظهر المتطفل البخيتي في مقاله بأنه وحده الذي فهم الإسلام، وأن هناك إسلامَ القرآن وإسلامَ التراث الذي أطلق عليه (الإسلامَ الداعشي)، ومؤسسه هو الصحابي سعد بن معاذ وليس أبو بكر البغدادي. وقال، ويا ليته ما قال: لقد بدأت الداعشية حسب كتب التراث من غزوة بني قريظة!! وأن في داخل كل مسلم مؤمن بكتب التراث إرهابياً كامناً ينتظر التمكين. وأن كل المذاهب الإسلامية وكل حركات الإسلام السياسي داعشية بنسب متفاوتة، فقط تنتظر التمكين... وأن الإسلام هو المشكلة وليس المسلمين، ما يشي بكفره. وأن غزوة بني قريظة في السنة الخامسة للهجرة كانت هي المدخل للإسلام الداعشي...، وأن الحكم الذي أصدره سعد بن معاذ سارت على منواله كل الفتوحات الإسلامية وكذلك المليشيات السنية والشيعية هذه الأيام... وكلاما غير ذلك كثيرا!

أيها الناس: لقد انبرى لذلك المتطفل من يرد عليه ويخرس لسانه المنفلت، وعقله المضطرب، إذ كتب شايف الشرادي من أهل اليمن الذين أنار الله عقولهم وبصائرهم قائلا: نقول لصاحب القلب الرحيم على اليهود من بني قريظة الذين نقضوا العهد في أحلك الظروف التي يمر بها المسلمون، وارتكبوا خيانة كبرى وجريمة عظمى بحقهم، وقد تجمعت الأحزاب عليهم وهم في حصار خانق، صوّره القرآن أروع تصوير، قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾. وهنا فاحت رائحة خيانة بني قريظة، وتجردوا من كل القيم الإنسانية ونقضوا العهد، في إصرار يبين مدى دناءتهم. وقد أرسل إليهم الرسولصلى الله عليه وسلمسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وغيرهم ليتأكدوا من نقضهم للعهد، وأمرهم أن يكتموا ذلك حتى لا يفتوا في أعضاد الناس.وكان زعيم بني النضير حيي بن أخطب هو الذي حرض الأحزاب وأقنع بني قريظة على نقض العهد... وحين قُدم للقتل خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم والناس بقوله: (والله ما لمت نفسي في معاداتك ولكن من يغالب الله يغلب، أيها الناس: لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل)... وهو يقر بعقوبة الإسلام العادلة، بينما البخيتي يصفها بالظلم، أليس هذا أمراً عجيباً؟! ويضيف الشرادي بأن حادثة بني قريظة لم تكن نهجا معتمدا في الفتوحات الإسلامية، كما هو نهج هولاكو وتيمور لنك، ونهج أميركا وروسيا وفرنسا وبريطانيا، ففي فتح مكة، قال الرسولصلى الله عليه وسلم لأهل مكة: «ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». فهل هذا نهج داعشي؟ وعند فتح بلاد الأفغان دخل أحد القادة المسلمين مدينة سمرقند ولم يعرض على أهلها الخيارات الإسلامية المعروفة، وهي الإسلام أو الجزية أو الحرب، فشكى أهل المدينة القائد إلى الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فأمره قاضيه أن يخرج من المدينة ففعل، ثم أسلم أهل تلك المدينة جميعا! فلم يكن الخليفة (داعشيا) ولا القائد الذي أخطأ...(داعشيا)!وهذا المعتصم عندما لبى نداء المرأة التي لطمها رومي، فقالت: وا معتصماه، ففتح عمورية وأحضر الرومي والمرأة وقال: الطميه كما لطمك، ولكنها عفت عنه، فلم تكن (داعشيةً) ولم يكن المعتصم (داعشيا).وهذا السلطان محمد الفاتح عندما فتح القسطنطينية عفا عن أهلها فعاشوا إلى جانب المسلمين ولم يكن (داعشيا)! ثم يقول الشرادي للبخيث: لقد بهرتنا بقلبك الرحيم على اليهود، ولكن لماذا لم يكن رحيما على المسلمين في فلسطين وغيرها؟ لماذا لم يتألم على المجازر التي يرتكبها المجرم بشار بالكيماوي والبراميل المتفجرة وسائر الأسلحة في أهل الشام، وواحدة منها فقط تفوق قتلى بني قريظة جميعا؟! ولماذا لم يتألم قلبك عندما حاصر النظام السوري المجرم بضوء أخضر من الأمم المتحدة مدينة مضايا حتى مات بعضهم جوعا؟ ولم يتألم لوحشية روسيا التي قتلت صوارُيخها المتطوره الآلاف من الأبرياء في المدارس والمساجد والأسواق، وأجبرت عشرين ألفا في حلب على مغادرة منازلهم في يوم واحد إلى الحدود التركية؟ ولم يتألم لوحشية أمريكا التي قتلت ملايين المسلمين في العراق وفي أفغانستان وغيرها وهم لم ينقضوا عهداً كما فعل بنو قريظة؟!

 

أيها الناس: إن الغرب هو من صنع الإرهاب وأوجد بيئته وتداعياته لتفتيت المسلمين، وليجعل منه فزاعة تخيف الناس، وتُتخذ ذريعة لقتلهم، ومنع عودة الخلافة الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي فيها عزهم ووحدتهم ونهضتهم؟ تحكمهم بالإسلام، وتحمله رسالة نور وهدى إلى العالم أجمع بالدعوة والجهاد؛ لتخرج الناس من ظلم الرأسمالية إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة.

 

فاللهم اجعل قيامها قريبا، واجعلنا من شهودها وجنودها.