الأحد، 04 شعبان 1441هـ الموافق 2020/03/29م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

فلسطين: خطبة جمعة "كن عبدا شكورا يا أردوغان"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)

بيت المقدس، 15 شوال 1437هـ الموافق 22 تموز/يوليو 2016م

 

 

 

الجمعة 17 شوال، 1437هـ

22/07/2016 م

كن عبدا شكورا يا أردغان

(الخطبة الأولى) أيها الناس: لقد تبين أن الذين قاموا بمحاولة الانقلاب في تركيا هم ضباط مغامرون موالون للإنجليز، ومن مخلفات الكماليين الذين هدموا دولة الخلافة العثمانية، حيث كان الجنرال منهم يعتبر نفسه حاكما بأمره يتصرف في مقدرات البلاد كيف يشاء، كما في مصر منذ ثورة الهالك عبد الناصر، وفي الجزائر منذ ثورة الهالك بومدين، وفي سوريا منذ ثورة الهالك الأسد، وفي كل بلد يسيطر فيه العسكر بانقلاب مدعوم من جهة أجنبية أو سفارة دولة كبرى، لا فرق في ذلك بين العراق واليمن وليبيا، أو بين الباكستان وتركيا أو غيرها من بلاد العالم الإسلامي، وكذلك هي الحال في دويلات الضرار الملكية أو الإماراتية أو السلطنية، ومن باب أولى أن تنطبق هذه القاعدة على الدول التي احتلتها أميركا أو بريطانيا أو فرنسا مباشرة كالعراق وأفغانستان وتشاد وغيرها، فكلها أنظمة تقهر الناس ولا تعبر عن إرادتهم السياسية أو عقيدتهم أو نظام حياتهم الذي يؤمنون به. ولقد حاولت أمريكا اختراق الجيش التركي منذ رئاسة أوزال لكنها لم تنجح فعمدت إلى قوى الشرطة والأمن الداخلي، ثم ركزت على اختراق الجيش في عهد أردوغان ونجحت إلى حد ما... لكن قوى الانجليز لا زالت موجودة، فمع أن أردوغان قصقص أجنحتهم، لكنه لم يقض عليهم، ومنهم الضباط الذين قاموا بالمحاولة الانقلابية الأخيرة العلمانية الفاشلة والحمقاء. تبا لهم من علمانيين دنيويين قليلين منبوذين، يريدون أن يتحدوا مشاعر المسلمين المتدينين الكثيرين، وخصوصا في تركيا صاحب التراث الحضاري الإسلامي العريق! فمسلمو تركيا اليوم – والحمد لله - قد بدأوا يستردون عافيتهم الدينية، وعلا منسوب مشاعرهم الإسلامية، وازدادوا شوقا لإعادة نظام الخلافة الإسلامية، فأنى لعلماني أن يقودهم، وأنى لعميل أن يخدعهم! وتلك من المؤشرات والمبشرات على أن القادم على تركيا وغيرها من بلاد المسلمين أفضل، وأننا نقترب من الخلافة الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة أكثر وأكثر. فذكر الانقلابيين للعلمانية كان حمقاً جعل الناس ينزلون للشارع كرهاً لأتباع مصطفى كمال أكثر مما هو حباً في أردوغان، إضافة إلى أن الانقلابيين قد فشلوا في التخطيط الدقيق، فكانت أفعالهم أقرب إلى الشغب والانفعال الغاضب دون قاعدة جماهيرية، بل ولا حتى عملا انقلابيا منظما! فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا.

أيها الناس: كان التابعي الجليل الربيع بن خثيم يتجهَّز لتلك الليلة التي سيفارق فيها أهله وماله، فيروى أنه حفر في بيته حفرة، فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيها، وكان يمثل نفسه أنه قد مات وندم وسأل الرجعة، فيقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}، ثم يجيبُ نفسه، فيقول: "قد رجعت يا ربيع"، فيُرى فيه ذلك أيَّامًا؛ أي: يرى فيه العبادة والاجتهاد والخوف والوجل. ونحن نقول لأردوغان: قد أنجاك الله وحزبك من هذا الانقلاب وشره، ومكنك في الأرض أكثر، فاذكر نعمة الله عليك، وكن عبدا شكورا بتطبيق شرعه والحكم بما أنزل، وأعلن تركيا خلافة إسلامية حقيقية ثانية راشدة على منهاج النبوة، واصنع مجدا لهذه الأمة يفوق مجد العثمانيين والعباسيين والأمويين، وكن عبد الله الخليفة القائد، ولا تكن عبد الله الرئيس التركي الذي يريد أن يطبع علاقات بلاده مع نظام بوتين القاتل، ونظام الأسد المجرم، وكيان يهود المحتل لفلسطين والمسجد الأقصى، بل اقطع علاقاتك مع هذه الأنظمة، وأغلق سفارات جميع الدول الطامعة والمتربصة. ألم يأتك نبأ استشهاد المئات من المدنيين الشيوخ والأطفال والرضع، وجرح المئات في قصف وحشي مروّع جراء غارات طيران التحالف الدولي الصليبي الأمريكي المجرم الحاقد على الإسلام وأهله في مدينة منبج. يحدث كل ذلك تحت سمعك وبصرك، وانطلاقا لطائراتهم من قواعد في بلادك، وتحت سمع وبصر نظرائك من حكام جوار سوريا وبقية حكام المسلمين، ليكون صمتكم بل تآمركم جريمة أخرى تسوّد صحائفكم، وتكشف حقيقتكم، وتعرّي سياساتكم الخيانية التي تناصر الدول الكبرى الاستعمارية في حربها على أمتكم. فإن لم تعلم وكنت مشغولا في قمع الضباط الانقلابيين الخونة، فلك العذر حتى تعلم، وبعدها لا عذر.

أيها الناس: إن أهل سوريا يستنصرون أمة تناهز المليارين، أمة فيها ملايين الجند وفيها من العتاد ما فيها، فأين جند المسلمين لينفروا ذوداً عن إخوانهم ونصرة للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟! أليس الذي ينفر دفاعاً عن حاكم أو حكومة قادر على أن يتحرك نصرة للدماء الزكية التي تراق صباح مساء، فيقطع اليد الآثمة التي امتدت لتقتل المسلمين وتظهر في الأرض الفساد؟! إن التحرك لنصرة أبناء الأمة وقضاياها فرض عظيم يحتاج لقرار جريء فيه عز الدنيا وفلاح الآخرة، فأين الرجال أصحاب الهمم العالية أحفاد سعد بن معاذ؟ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ. إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن ما حدث في تركيا هو أمر مؤلم لأن الدماء التي سالت هي دماؤنا وليست دماء الإنجليز أو الأمريكان... والخراب الذي حدث في المباني والمطارات والساحات هو في بلادنا وليس في أمريكا أو بريطانيا... وهكذا فإن ساعات تلك المحاولة كانت ظلمات بعضها فوق بعض وفي بلادنا وبين ظهرانينا... وهذا أمر محزن ومؤلم... ولكن هناك نوراً، وإن قل، برز في هذا الظلام وهو أن الناس خرجوا للشوارع يهتفون يا الله يا الله، الله أكبر الله أكبر، وذلك لأن إعلان الانقلابيين علمانيتهم الصريحة المستفزة لمشاعر المسلمين في تركيا جعلهم ينزلون إلى الشوارع يواجهون الدبابات وهم يهتفون نصرة لدينهم، فكانوا يجابهون محاولة الانقلاب العسكري، ليس حباً في أردوغان ونظامه بقدر ما هو نقمة على العلمانية وزبانيتها... وكل هذا وهم يتحركون مشاعرياً ضد العلمانية مع أنها موجودة في النظام والانقلاب، والعلمانية حيث حلت هي شر... إلا أنهم رأوا أن علمانية الانقلاب مستفزة لمشاعرهم الإسلامية، فالانقلاب على خطا مصطفى كمال وأتباعه وأشياعه، والناس قد خبروا حقد أولئك على الإسلام وكيدهم له... وأما علمانية النظام فمحاطة بشيء من الإسلام يريح مشاعرهم... فكيف إذن لو كانت للمسلمين دولة حق وعدل، خلافة راشدة على منهاج النبوة، تسوسهم بالعدل والإحسان، تقيم فيهم أحكام الله وتجاهد بهم في سبيل الله، فيعزوا بها في الدنيا ويفوزوا في الآخرة؟ إنهم سيحمونها بأموالهم وأنفسهم، بمشاعرهم وأفكارهم، بجوارحهم وجوانحهم، وبكل أمرهم... إن المسلمين أمة خير، خير أمة أخرجت للناس ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾، وسيعانقها قريباً بإذن الله حكم بما أنزل الله، خلافة راشدة تظل المسلمين براية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما ذلك على الله بعزيز.