الجمعة، 06 ربيع الأول 1442هـ الموافق 2020/10/23م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "لا، لِكُلِّ لُكَعٍ ابنِ لكع"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله) بيت المقدس،

 

 16 ذو القعدة 1437هـ الموافق 19 آب/أغسطس 2016م

 

 

 

لا، لِكُلِّ لُكَعٍ ابنِ لكع

 

(الخطبة الأولى) أيها النَّاس: عقد الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد بابا أسماه: (لا تذهب الدنيا حتى تكون للكع ابن لكع)، لرواية عن أبي بكر بن أبي الجهم قال‏:‏ أقبلت أنا ويزيد بن حسن بيننا ابن رمانة مولى عبد العزيز بن مروان، قد نصبنا أيدينا فهو متكئ عليها داخل المسجد، مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وبه ابن نيار - رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأرسل إلى أبي بكر فأتاه فقال‏:‏ رأيت ابن رمانة بينكما يتوكأ عليك وعلى زيد بن حسن! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "‏لا تذهب الدنيا حتى تكون عند لكع ابن لكع‏"‏‏.‏ ثم عقد بابا أخر بعنوان: (يذهب الصالحون وتبقى حثالة)، لرواية عن المستورد بن شداد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏يذهب الصالحون الأول فالأول وتبقى حثالة كحثالة التمر لا يبالي الله بهم‏"‏‏. ثم عقدبابا ثالثا تحت عنوان: (رفع الأمانة والحياء)، لرواية عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏أول ما يرفع من الناس الأمانة وآخر ما يبقى الصلاة ورب مصل لا خير فيه‏"‏‏.‏ ثم قال: يخيل إلي أنه قال‏:‏ ‏"‏وقد يصلي قوم لا خلاق لهم‏"‏‏.‏ فمن هو اللكع؟ جاء في لسان العرب: اللُّكَعُ: وسِخُ القُلْفَةِ. لَكِعَ عليه الوَسَخُ لَكَعاً، إِذا لَصِقَ به ولَزِمَه. فاللكع هم التحوت السفلة الرويبضات.يقال للرجل إذا كان خبيثَ الفِعالِ شحيحاً قليلَ الخير: إنه للَكُوع. وقال في "النهاية":اللُّكَع عند العرب: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم".وقال الإمام الطحاوي في "المشكل": "لا اختلاف في تأويله عند العرب أنه العبد أو اللئيم".وفي "شرح السنة" للإمام البغوي قال: "أراد: العبيد والسفلة".

 

أيها الناس: تعالوا بنا نستعرض نماذج من سلوكيات كثير من المسلمين كي نكتشف كم لكع ابن لكع يسرح ويمرح بين ظهرانينا، وكثير منهم يقام له ويقعد. فأول شريحة لكعية هم حكامنا الذين يظهر للعيان أنهم من أسعد الناس بالدنيا من مال وجاه ومراكب فارهة وبيوت واسعة، لا لمهارة فائقة أو علم عظيم، بل لأنهم فُرضوا على رقاب الناس في غفلة من الأمة، فنهبوا المال واستأثروا به، وأخضعوا العامة بالسطوة والجبروت. وهم الذين يتولون أمور المسلمين في زماننا، ويتصرفون في أموالهم، وهم أخس الناس وأحقرهم، ويدل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة". ويشهد على تفاهتهم وإجرامهم الشام وحلبها وليبيا وسرتها واليمن وتعزها... وأما الشريحة اللكعية الثانية فهم العلماء الذين يتكسبون بعلمهم على أبواب أولئكم الحكام، ويتزلفون إليهم وينافقونهم على حساب الدين والشريعة، حتى بلغ النفاق ببعضهم أن يعتبر حاكمه نعمة مهداة، ورحمة مزجاة. وقد تغافل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أولَ مَن تُسعَّرُ بهم النارُ ثلاثةٌ: منهم: الذي طلب العلمَ وقرأ القرآنَ لغيرِ اللهِ ليقالَ: هو عالمٌ، ولِيقالَ له: قارئٌ. وأما الشريحة اللكعية الثالثة فهم أعوان الحكام وأذنابهم وجلاوزتهم ومخابراتهم وضباط جيوشهم الفاسدين وكتابهم وشعراؤهم وفنانوهم ورياضيوهم والمفتونون بهم من الذين رضوا بفتات أموال الحكام، ونسوا لقاء الله وغرتهم الحياة الدنيا، وفيهم وفي أمثالهم يقول الله عز وجل: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}. وأما الشريحة اللكعية الرابعة، فهم الذين يأكلون أموال الناس بالباطل تحت مسميات الاستثمار وتنمية الأموال، وما هم في الحقيقة إلا مرابون محاربون لله ورسوله. أعماهم المال وجمعه، لا يوقرون كبيرا ولا يرحمون صغيرا. أخرج الترمذي في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاءَ شيخٌ يريدُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فأبطا القومُ أن يوسِّعوا لَه، فقالَ: ليسَ منَّا من لم يرحَمْ صغيرَنا ولم يوقِّرْ كبيرَنا. وأما الشريحة اللكعية الخامسة، فهم الذين يرضون بالخنا في بيوتهم، وتخرج نساؤهم وبناتهم إلى الشوارع سافرات كاسيات عاريات مائلات مميلات، فأولئ من الذين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيهم: "ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وذكر الدَّيُّوث". وفيهم وفي أمثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يظهر الفُحش والبخل، ويخوّن الأمين، ويؤتمن الخائن، [ويظهر ثياب يلبسها نساء كاسيات عاريات] ويهلك الوعول، وتظهر التُّحوت، قالوا:يا رسول الله! وما الوعول وما التُّحوت؟ قال:الوعول: وجوه الناس وأشرافهم، وفي رواية: أهل البيوت الصالحة، والتُّحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يُعلم بهم. وفي رواية: فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة، يُرفعون فوق صالحيهم.

 

(الخطبة الثانية) أيها الناس: لا أبالغ إن أعلنت من هذا المنبر أنّنا نعيش اليوم أزمة خانقة اسمها ذوو لكع، فلا يكاد ينجو منها قوم أو عشيرة أو بيت أو صف مدرسي أو شارع أو مؤسسة، فأينما وجهتم وجوهكم تجدون ذوي لكع كثرة كاثرة كأنهم جراد منتشر. وأسباب كثرة وجودهم متعددة متنوعة، أبرزها غياب حكم الإسلام وخلافة الإسلام ومحتسبها، وهو الضابطة السلوكية التي تقمع كل لكع ابن لكع، وتقتلع هذه الفيروسات الاجتماعية القاتلة من جذورها. ومن ثم ترسى قواعد الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية التي تنتج أخلاقا رفيعة تقضي على تصرفات اللكع وأخلاقه الفاسدة. فأزمة اللكع أزمة عميقة مستفحلة، ولا سبيل لإنهائها إلا بالعمل مع العاملين لإقامة خلافة المسلمين الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة. ولكن هذا لا يعفينا من مقاومتها بما نستطيع، فلا يطعم الأب أبناءه إلا من حلال، ولا يخرج نساءه وبناته إلا محجبات، ولا ينافق حاكما أو مسؤولا، ولا يرفع راية عمّية جاهلية، ولا يصرف ماله ووقته في اللهو، ولا يفسق إذا فرح باستئجاره لفرق الغناء الماجنة واستخدام مكبرات الصوت المزعجة، وليتفقه في دين الله، فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.

 

أيها الناس: يؤكد ذلك، جوابُ الصحابي الجليل، جعفر بن أبي طالب يوم كان في الحبشة، والنجاشي يسأله عن حقيقة هذا الدين، فيقول:" أيّها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء..".

 

فهذا الجواب يحمل في طياته منهج الخروج من اللكعية وما يمت إليها بصلة، ويرفع الناس إلى مرتبة العفة والوقار وحسن الخلق والأدب الجم، ويبعدهم عن كل سلوك شائن مريب. وما أحوجنا إلى التأدب بمثل هذا، بل لمثل هذا فليعمل العاملون.

 

 

الجمعة 16 ذو القعدة 1437هـ

19/8/2016م