السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "وحدة في الحج وفُرقة بعده!"


لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 14 ذو الحجة 1437هـ الموافق 16 أيلول/سبتمبر 2016م

 

 

 

الجمعة 14 ذو الحجة 1437هـ
16/9/2016م


وحدة في الحج وفُرقة بعده!

(الخطبة الأولى)


 أيها النَّاس: قال سبحانه تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟» قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا، يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ». وقد فرض الله سبحانه وتعالى الحج على المسلم المستطيع مرةً واحدةً في العمر، هي حجة الإسلام ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. ويدل كل نسك من مناسك الحج على أن الله تعبّد به عباده، ويستشعر معه المسلم عبوديته للخالق تبارك وتعالى. ولذلك تجد ملايين المسلمين من أنحاء العالم كافة، تهفو نفوسهم في كل عام لأداء هذا الفرض العظيم، والذي هو ركن من أركان الإسلام الخمسة. إلا أن الصد الذي يمارسه حكام المسلمين عن البيت الحرام، كما صدوهم من قبل عن تحكيم شرع الله، يحول بين المسلمين وبين أداء هذا المنسك العظيم، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فتحديد نسبة معينة للمسموح لهم بالحج من كل بلد، هو صد عن المسجد الحرام، وتحديد سن معيّن للمسموح لهم بأداء فريضة الحج، هو صَدٌّ عن المسجد الحرام، وفرض رسوم باهظة ومتنوعة على الحجاج هو صد عن المسجد الحرام. ومن يتمكن منهم من الوصول إلى المسجد الحرام متخطيا هذه العراقيل ومتجاوزا تلكم العقبات، فإنه لا يستطيع أن يترك خلفه ما يلاقيه المسلمون في بلاده أو البلاد الأخرى من هموم ومشاكل ومآس ونكبات وويلات. فيذهب ملايين المسلمين إلى الحج في كل عام يحملون معهم هذه الهموم ليشكوا بثهم وحزنهم إلى الله العزيز المتعال، يرفعون له سبحانه وتعالى أكف الضراعة أن يزيل عنهم ما هم فيه من بلاء وعناء، ماثلة أمام أعينهم، ولا تفارق ذاكرتهم الجرائم التي ترتكبها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا وغيرها بحق المسلمين في اليمن وأفغانستان، وليبيا وباكستان، وبورما والبنغال والصومال وغيرها. وما يقوم به هذا الغرب الحاقد من مجازر تقشعر لها الأبدان، وتشيب من هولها الولدان، ضد المسلمين في الشام مباشرة أو من خلال حلفائه وعملائه وأدواته وأشياعه المحليين، وسعيهم الحثيث لإجهاض ثورة أهل الشام المباركة منعاً لإقامة دولة الخلافة الحقيقية الراشدة الثانية على منهاج النبوة. يقف المسلمون بين يدي ربهم ليشكوا له حكامهم الذين يتواطؤون مع أعدائهم عليهم، يقفون بين يديه وقلوبهم كسيرة وأيديهم قصيرة وألسنتهم تلهج ودموعهم تذرف سائلينه جل في علاه أن يكشف عنهم ما هم فيه من ذل وعذاب، ويفك عنهم هذا العقال، ويزيح عنهم هذه الهموم، ويريحهم من حكامهم الخونة العملاء وأسيادهم الكفار وأعوانهم الأشرار.


أيها الناس: إن الحج هو من شعائر الله التي تجمع المسلمين كلهم على صعيد واحد، وتتجلى فيه وحدة المسلمين في كثير من المظاهر منها: وحدة الشعائر، ووحدة المشاعر، ووحدة الهدف، ووحدة الحال، ووحدة الدعاء على الظالمين، ووحدة الأمل بعودة الخلافة على منهاج النبوة، فلا إقليمية ولا عنصرية ولا عصبية للون أو جنس أو لغة أو طبقة، فالرب واحد، والدين واحد، والقبلة واحدة. فالحج يربط الحياة الدنيا بالدار الآخرة برباط الطاعة والخضوع لله سبحانه وتعالى، واللجوء إليه وحده في كل أمر، واستغفاره والتوبة إليه عز وجل من كل ذنب. يؤكد هذا المشهد المهيب لجموع الحجيج وهم يطوفون حول بيت واحد، ويسعون في مسعىً واحد، ويقفون في موقف واحد، ويدعون دعاءً واحدا، ملبين مبتهلين، يؤكد أن الأمة الإسلامية أمة واحدة من دون الأمم،. وهو مشهد يدخل الرعب إلى قلوب الكافرين المعاندين، لأنهم يعلمون مدى تأثيره لو كانت لتلك الجموع دولة ترعى شؤونهم بالإسلام، ويعلمون مدى قوة تأثيره لو نزل عشر معشاره إلى الشوارع على قلب رجل واحد، إذن لانهارت العروش الظالمة، وفشلت المخططات اللئيمة ضد الأمة، وعادت لها هيبتها بتنصيب إمامها، ولقلعت نفوذ الكافرين من بلادها، واستردت ثرواتها ومقدساتها، ولتحدث القاصي والداني عن إنجازاتها. وقد حصل ذلك بالفعل في ثورات الربيع العربي حيث انهارت عروش وهلك طواغيت، وتكرر عندما نزلت الجموع إلى شوارع اسطنبول وأنقرة حيث أفشلت الانقلاب على حاكمها هناك. ولذلك عمدوا هم وعملاؤهم إلى ضرب أهمية وحيوية اجتماع المسلمين في الحج على عبادة، أو في غيره على فكرة منهضة. وذلك بإفراغ تجمعات المسلمين الكبيرة من حقيقتها وقوتها ووحدتها، شكلا ومضمونا، فكان من أهم وأخبث ما صنعوا أن جمعوا كيدهم في حروب ومؤامرات وشراء ذمم وعملاء حتى تمكنوا من القضاء على الخلافة العثمانية في بدايات القرن الماضي، فأزالوا بذلك قوة تجمع المسلمين في دولة، وقوة جموع الحجيج في المناسك، وحرصوا على عدم تجمع المسلمين على شيء مفيد منهض. فمنعوا الأحزاب السياسية على أساس الإسلام، وأباحوها بل وأقاموا بعضها برعايتهم على أساس العلمانية وفصل الدين عن السياسية. ومنعوا المظاهرات والمؤتمرات التي تطالب بوحدة الأمة وتطبيق الشريعة ولو كانت بأعداد قليلة، وشجعوا التجمعات التي تصرفهم عن أي هدف شرعي يعيد هيبتهم، فامتلأت ملاعب الرياضة وصالات الألعاب والرقص الماجن وساحات الحفلات الصاخبة المحرمة، ودعوا الناس للتجمع في الميادين لتأييد كل حاكم لعين، وفضوا بشراسة ووحشية كل اعتصام يطالب بتحكيم شرع رب العالمين.

 

(الخطبة الثانية)


 أيها الناس: بعد أن كان المسلمون جماعةً واحدةً، في ظل راية واحدة، تحت إمرة أمير واحد، صاروا مزقا متفرقةً، وغثاءً كغثاء السيل، في دويلات ضرار كاذبة خاطئة، يجتمعون في مناسك الحج تحت سطوة تنظيم التفويج، ثم يتفرقون بعده أيادي سبأ، تحت حكم دويلات الضرار الوطنية الخبيثة الممتدة من المحيط إلى الخليج. أيها الناس: إن موسم الحج شاهد على وحدتنا، وهو يستصرخنا أن نعيد لحمتنا، ونوحد صفنا، ونقيم دولة الخلافة الحقيقية الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ونبايع خليفتنا. وبذلك فقط نعود جماعة متماسكة قوية، يقودنا خليفتنا، يقيم فينا كتاب الله، ويجاهد بنا في سبيل الله، لتحرير بلادنا المغتصبة، ولنشر الإسلام رسالة نور وهداية للبشرية جمعاء. فلا معنى لأن تتوحد جموع الحجيج في الموسم ثم تتفرق بعده، ولا يجوز شرعا أن تتجلى وحدتنا في موسم الحج فقط، ثم لا وحدة بعده. فكما كانت وحدة المسلمين في الحج تجسيدا لوحدتهم قبله، فلتكن وحدتهم في الحج اليوم منطلقا لتوحيدهم بعده في دولة واحدة، وتحت راية واحدة، وتحت إمرة إمام واحد مبايع على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، كي نرجع إلى سابق عهدنا ظاهرين وقاهرين وطالبين، بعد أن صرنا أذلاء ومقهورين ومطلوبين، وهذا نهاية الأمن والعز.