الخميس، 06 صَفر 1442هـ الموافق 2020/09/24م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس


فلسطين: خطبة جمعة "الإسلامُ أعظمُ نعمةٍ، وشكرُها: تطبيقُهُ وحَمْلُه!"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 21 ذو الحجة 1437هـ الموافق 23 أيلول/سبتمبر 2016م

 

 

الجمعة 21 ذو الحجة 1437هـ

23/9/2016م

الإسلامُ أعظمُ نعمةٍ، وشكرُها: تطبيقُهُ وحَمْلُه

(الخطبة الأولى) أيها النَّاس: جاء في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، في تفسير قوله تعالى {وأما بنعمة ربك فحدث}: النعمة: كل ما أنعم الله به على العبد، وهي كل ما ينعم به العبد من مال وعافية وهداية ونصرة، من النعومة واللين. فقيل: المراد بها المذكورات. والتحدث بها: شكرها عمليا من إيواء اليتيم كما آواه الله، وإعطاء السائل كما أغناه الله، وتعليم المسترشد كما علمه الله، وهذا من شكر النعمة، أي: كما أنعم الله عليك، فتنعم أنت على غيرك، تأسيا بفعل الله معك. وقيل: التحدث بنعمة الله هو التبليغ عن الله من آية وحديث، والنعمة هنا عامة، لتنكيرها وإضافتها، كما في قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله}، أي: كل نعمة. ولكن الذي يظهرُ أنها في الوحي أظهر، أو هو أولى بها، أو هو أعظمها، لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}. فقال: "نعمتي"، وهنا "نعمة ربك". ولا يبعد عندي أن يكون صلى الله عليه وسلم إنما نحر مائة ناقة في حجة الوداع، لما أنزل الله عليه هذه الآية، ففعل شكرا لله على إتمام النعمة بإكمال الدين. وقال مجاهد: يعني النبوة التي أعطاك ربك، وفي رواية عنه: القرآن.

أيها الناس: إن نعمة الإسلام التي أنعم الله بها على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي أعظم نعمة ينعم الله بها على بشر، لم ينعم قط أعظم منها على من قبله، وليست لأحد من البشر بعده. ونحن معشر المسلمين الذين اتبعنا هذا الدين العظيم، قد أصابتنا هذه النعمة العظيمة دون خلق الله أجمعين. فما أعظمها من نعمة أن ندرك معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله! وما أعظمها من نعمة أن نفهم معنى الخلق والأمر، وأنهما معا لله سبحانه جل في علاه لا ينفكان! وما أعظمها من نعمة أن تعرف أن وجودك في هذه الحياة الدنيا إنما هو لعبادة الله! وما أعظمها من نعمة أن نكون متأكدين ومعتقدين بأن بعد الموت بعثا، ثم حسابا وجنة ونارا، في سياق أبدي سرمدي، خلافا لما نعيشه في هذه الدنيا الفانية ونكابده من مسرة ومضرة مؤقتة! وما أعظمها من نعمة أن نعرف حقا كيف نشكر الله هذه النعمة العظيمة!

أيها الناس: لقد تكلم العلماء السابقون واللاحقون كثيرا عن شكر النعم وآدابها، بالقلب واللسان وباقي الجوارح، وأجملوا في ذلك وفصلوا، ما يغني عن إعادة ذكره. وأظهروا – رحمهم الله - جوانب الشكر المتعددة على النعم الفردية من عقل وصحة وجمال ومال وغير ذلك كثير، ولكنهم - رحمهم الله وغفر لهم - لم يركزوا على قضية شكر الله عز وجل على نعمة الإسلام كنظام حياة في دار الإسلام، ولم يبرزوا بشكل لافت للنظر نعمة وحدة الأمة الإسلامية في دولة واحدة، يحكمها إمام واحد، تحت راية واحدة، تطبق الإسلام على الناس فيسعدوا، وتحمله رسالة إليهم فيهتدوا. وأخص بالذكر المتأخرين من الذين حازوا مرتبة العلماء في أزمنة غاب فيها سلطان الإسلام، وغاض من الوجود الإمام، وتلك أعظم نعمة فقدت، وبفقدها فقد شكرها على الوجه الذي يرضي ربها.

أيها الناس: جاء في كتاب مدارج السالكين وكتاب إحياء علوم الدين: والشكر مبني على خمس قواعد، فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره. أهـ. ونحن قد ابتلينا بعجز فاضح عن شكر نعمة الإسلام التي هي النعمة الأعظم من بين نعم الله الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، وأفرطنا بالحديث عن النعم الأخرى، خلافا لهدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي أقل من الحديث عن النعم الشخصية التي أنعم الله عليه بها كالصحة والجمال وقوة البدن والخلق الحسن وغيرها كثير، ولكنه صلى الله عليه وسلم أكثر من ذكر الله واليوم الآخر والجنة والنار، وأكثر من الحرص على تطبيق الشريعة بحذافيرها، وأكثر من الغزوات في سبيل الله، وأكثر من الترغيب في الجهاد وإخراج الناس من الكفر إلى الإيمان، وأكثر من ذكر ظهور الدين الإسلامي فوق الأديان كلها، وأكثر من الحديث عن بلوغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ودخوله في كل بيت مدر ووبر بعز عزيز وذل ذليل. وما ذلك إلا لأهمية شكر نعمة الإسلام على الناس بتطبيقه وحمل دعوته، ونشره في بقاع الأرض ما وجد عليها كافر واحد لا يؤمن بالله، وشبر واحد لا يخضع لسلطان الله. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى. ومن أعظم معاني الذكر هو الشرف والرفعة، والسناء والتمكين في الدين، وهذا لا يتحقق إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مصداقا لقوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن من أعظم ما يمكن أن نقدمه اليوم شكرا لله على نعمة الإسلام، أن نسعى جاهدين لتطبيقه في دولة الخلافة الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، وذلك بإزاحة أنظمة الطاغوت والجاهلية التي هيمنت على العالم الإسلامي منذ هدم الدولة العثمانية. وإن من تمام عظمة الشكر أن نخلع نفوذ الغرب الكافر من بلاد المسلمين، ونجعلهم ينكفئون إلى ديارهم خزايا مهزومين، وأن نحفظ أعراضنا ومقدساتنا وأرضنا، ونعيد إلى بيت مال المسلمين ما غصبوه من أموالنا على مر السنين. وأعظم منه شكرا لنعمة الله علينا أن جعلنا مسلمين، أن نحمل دعوة الإسلام إلى العالم أجمع عن طريق الجهاد في سبيل الله رسالة هدى ونور، حتى لا يبقى بيت وبر ولا مدر إلا ويدخله الله الإسلام، بعز عزيز إن آمن، وذل ذليل إن كفر وعاند، فنخضعه للجزية بعد ضم بلاده إلى دار الإسلام.

أيها الناس: إننا إن فعلنا ذلك، نكن عبادا لله شاكرين، ولحق الله مؤدين، وبعدها يكون الدين كله لله، ولا نكون فتنة للقوم الكافرين. عن مجاهد أنه قال في تفسير قوله تعالى {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا}: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا. وعن قتادة أنه قال: يقول: لا تظهرهم علينا فيُفتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحقٍّ هم عليه. فلنعلنها صراحة من هذا المنبر أنه من يسعى لشكر الله على نعمة الإسلام بغير هذا فما أصاب كبد الحقيقة، ولا رفع بعلمه وعمله رأسا. فاللهم لا تجعل لكافر علينا يدا ولا سبيلا.