السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "أميركا بحاجة لحكامنا، وتسعى معهم لقتلنا!"


لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 28 ذو الحجة 1437هـ الموافق 30 أيلول/سبتمبر 2016م

 

 

 

الجمعة 27 ذو الحجة 1437هـ
03/9/2016م


أميركا بحاجة لحكامنا، وتسعى معهم لقتلنا!


(الخطبة الأولى)

أيها النَّاس: أثناء المناظرة الانتخابية بين المرشحيْن للرئاسة الأميركية، أعلن كلاهما عن العداء السافر للإسلام والمسلمين، ولكن كلينتون كانت أكثر دقة وخبثا من منافسها ترامب عندما فرقت بين المسلمين وحكامهم، فقالت إن أميركا بحاجة إلى الحكام ليزودوها بمعلومات تفيدهم وتلزمهم. وهي تعي ما تقول تماما، ذلك بأن الحكام هم رأس الحربة الأميركية في محاربة الإسلام والمسلمين، وأنها لن تستطيع تحقيق ما تصبو إليه من قتل المسلمين والسيطرة على أراضيهم وثرواتهم وتدنيس مقدساتهم إلا بحبل من الحكام الأشرار الذين رهنوا مصيرهم ومصير شعوبهم بها.


أيها الناس: ما أخطر هذا الكلام، وما أعظم مدلولاته! أما خطورته، فآتية من القول الأميركي الصريح بأن حكام المسلمين هم عملاء لأميركا والغرب، وخدم رخائص للكافر المستعمر، دون تورية أو مواربة، فلم يعد هناك عذر لمعتذر من المسلمين لا يعمل لقلع أولئك النفر الغادرين الخائنين لله ولرسوله وللمؤمنين، بحجة أنهم أولياء أمر للمسلمين، أو غيرها من الحجج الواهية كالممانعة والمقاومة وما شابه ذلك من ألفاظ عفا عليها الزمن السياسي، وأصبحت شيئا من الماضي لا يُقبل من أحد الالتفات إليه. وأما مدلولاته، فأكثر من أن تحصى في عجالة، ولكن يمكن بيان بعضها لتوضيح الأمر ورفع الغشاوة. فهل استطاعت أميركا غزو أفغانستان وقتل مئات الآلاف دون تعاون حكام إيران؟ وهل كان بوسعها غزو العراق وقتل الملايين دون معلومات تسهل لها ذلك من حكام سوريا ودول الخليج؟ ومن الذي سمح لها بإقامة القواعد العسكرية الضخمة في بلاد المسلمين، وبناء السفارات أوكار التجسس العملاقة في كل ناحية منها؟ ومن غير أولئك الأوغاد قد ملأ البنوك المركزية بالدولارات الأميركية كغطاء لعملاتهم وعماد لاقتصاداتهم حتى صار الأميركيون يتحكمون في سعر رغيف الخبز الذي يأكله المسلمين، هذا إن وجدوه؟! ومن الذي أشعل فتيل الفتنة الطائفية التي نكتوي بنارها في الشام والعراق واليمن وغيرها، وذهب ضحيتها إلى يومنا هذا الملايين من المسلمين؟ ومن الذي يمول معظم المقاتلين على أرض الشام؟ بل من الذي يدفع بجنوده نحوها لدعم النظام المجرم فيها، وبقاء حاكمها في منصبه ضمن التسويات السياسية المقترحة من خلال الائتلاف العميل والمهل والهدن والقصف العشوائي والفتك بأهل الشام عموما، وأهل حلب على وجه الخصوص، في مجازر مدنية مروعة لم يشهد لها تاريخ الحروب والصراعات مثيلا؟


أيها الناس: هناك قاعدة أصولية تنص على أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم، ومعناها أننا لو أردنا البحث في خدمات الحكام الأخرى الخفية لأميركا وباقي دول الغرب، بعدما أوردناه من الخدمات الظاهرة ما فيه غَناءٌ وكفاية، لأمكننا أن نزيد في تعداد تلكم الخدمات إلى حد يضيق مقامنا عن الإحاطة به. فيمكننا مثلا أن نقول إن حكامنا يزودون أعداءنا من الأميركيين والغرب بمعلومات استخبارية عن الجماعات الإسلامية المسلحة وغير المسلحة، ويمكننا أن نقول بأن حكامنا يفتحون أسواقهم الاستهلاكية لمنتجات الغرب، ويمنعوننا من إقامة صناعات أساسية تغطي احتياجاتنا، كي نبقى عالة عليهم. ويكننا أن نقول بأن حكامنا يرفضون الإنفاق على الأبحاث العلمية بشكل كاف، كي نبقى رهنا لأبحاثهم، بل يأخذون علماءنا إلى مختبراتهم. ويمكننا أن نقول بأن حكامنا يقتلون ويعتقلون ويشردون بني جلدتهم بالنيابة عن أسيادهم الكفار الغربيين، دون أن يُجهدوهم في تجنيد أبنائهم للقيام بتلكم المهام القذرة. ويمكننا أن نقول بأن حكامنا يغيرون مناهج التعليم في بلاد المسلمين ويعدلونها طبقا لإملاءات الغرب، وتحقيقا لرغباتهم في تشكيل عقليات أبناء المسلمين تشكيلا غربيا بعيدا عن القيم والمفاهيم الإسلامية. ويمكننا أن نقول بأن حكامنا يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لشعوبهم، فهم أغنياء وأبناء شعوبهم في فقر مدقع. وأبناؤهم متعلمون وأبناء شعوبهم في جهل مطبق. وهم يسكنون القصور الفارهة آمنين مرفهين، وكثير من أبناء شعوبهم يسكنون المقابر الخربة ومخيمات اللجوء المزرية، وأرصفة الشوارع والمتنزهات العامة هائمين على وجوههم في بلاد الهجرة خائفين. وهم يركبون السيارات الفارهة، وكثير من أبناء شعوبهم يمشون حفاة، وأمثلهم طريقة من يملك سيارة خاصة متواضعة أو يركب المواصلات العامة المزدحمة. وهم يلبسون أفخر الثياب، وكثير من أبناء شعوبهم عراةٌ غُرْلٌ، وأمثلهم طريقة من يجد ما يستر به عورته. وبلغ قبحهم إلى حد أن تقاطرت وفودهم للمشاركة في جنازة قاتل أبناء شعوبهم، ومن سرعة الهرولة واللهث والهلع والاستلاب الفكري، سُكّرت أبصارهم، واصطدمت سيارتهم بأخرى في رام الله، وأصيب بعضهم برضوض ستقطع قلوبهم كمدا أن حرموا من المشاركة!! والقائمة طويلة طويلة! قاتلهم الله أنى يؤفكون. أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا العطاءَ ما دامَ العطاءُ، فإذا صاروا رشوةً على الدينِ فلا تأخذوه. ولستم بتاركيه، يمنعُكم الفقرَ والحاجةَ. ألا إن رحا الإسلامِ دائرةٌ فدوروا مع الكتابِ حيثُ دارَ، ألا إن الكتابَ والسلطانَ سيفترقانِ فلا تفارقوا الكتابَ، ألا إنه سيكونُ عليكم أمراءُ يقضونَ لأنفسِهم ما لا يقضون لكم فإذا عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم. قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيفَ نصنعُ؟ قال: كما صنع أصحابُ عيسَى ابنِ مريمَ، نُشِروا بالمناشيرِ وحُمِلوا على الخُشُبِ، موتٌ في طاعةِ اللهِ خيرٌ من حياةٍ في معصيةِ اللهِ.


(الخطبة الثانية)

 

أيها الناس: ما حاجتنا لأمثال هؤلاء الحكام وهم عبء ثقيل علينا؟ بل إننا مأمورون بترك طاعتهم والعمل على خلعهم باعتبارهم غاصبين لسلطان الأمة الإسلامية ولا يحكمون بما أنزل الله. فلا ينبغي لأحد أن يتواني عن العمل مع العاملين لخلعهم من جذورهم، وتنصيب إمام مكانهم يبايع على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن نتوق إلى مجيء ذلك اليوم الأغر الذي تعود فيه الأمة الإسلامية إلى سابق عهدها وعزها، ويرضى عنها ربها، وتقرُّ عينُ نبيها بخلافتها الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة. ونرجو الله أن يجعل ذلك اليوم قريبا.


أيها الناس: ينهانا ديننا عن موالاة الكافرين نهيا شديدا، ويحذرنا من مغبة موالاتهم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}. وقد باتت المسألة واضحة، فلسنا نحن من نواليهم بل حكامنا، ولذلك هم بحاجة حكامنا، وليس لنا، بل إنهم يسعون جاهدين لقتلنا وكبتنا، ولا وسيلة لهم أنجع من حكامنا. فيا أيها المسلمون: عرفتم فالزموا، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون.