الخميس، 06 صَفر 1442هـ الموافق 2020/09/24م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "عندما يتصارع الكبار فلا مكان للصِّغار!"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 06 محرم الحرام 1438هـ الموافق 07 تشرين الأول/أكتوبر 2016م

 

    

الجمعة، 06 محرّم 1438هـ

2016/10/07م

عندما يتصارع الكبار فلا مكان للصِّغار

(الخطبة الأولى) أيها الناس: أخرج البخاري في صحيحه بسنده قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فبلغ ذلك قريشا، خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مَرَّ الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان عمرو أقل من ذلك، (وكان المسلمون قد أوقدوا عشرة آلاف نار)، فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان. فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خَطْم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين. فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي صلى الله عليه وسلم، تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان. فمرت كتيبة قال يا عباس: من هذه قال: هذه غفار، قال: ما لي ولغفار. ثم مرت جهينة قال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك، ومرت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذِّمار (الهلاك). ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وراية النبي صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال ما قال، قال كذا وكذا، فقال: كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة.

أيها الناس: عندما يتصارع الكبار فلا مكان للصغار، فلم يكن يوم الفتح - يوم صراع الكبار - مكانٌ لغفار ولا لجهينة ولا لسعد بن هذيم ولا لسليم ولا لغيرها من القبائل الصغيرة، بل إن الكبار اليوم هم الذين يحسمون الموقف، والصغار تبع لهم، أو يدورون في فلكهم. فإذا حَسم الأمرَ واحدٌ من الكبار وانتصر، فإن أتباعه يرفعون رؤوسهم به، وأما أتباع المخذول المهزوم والمرتبطون بذيله، فلا مكان لهم، وإن تبرأوا منه وانشقوا عنه، فليس ذلك ينفعهم. وهذه سنة عاملة في الكيانات الكبيرة المتصارعة وأتباعهم وحلفائهم من الكيانات الصغيرة عبر التاريخ، والأمثلة أكثر من أن تحصى. ولكن الذي يعنينا اليوم هو البحث في الصراع الدائر بين الكبار في العالم، وسواء كانت ساحات الصراع سوريا أو العراق أو اليمن أو أكرانيا وغيرها من بلاد العالم، فإن السنة عاملة لا تتغير ولا تتبدل، {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}. فالقوى المتصارعة اليوم هي أميركا وروسيا وبعض دول أوروبا، وهي صاحبة الغلبة على الناس في زماننا، وهي التي تخطط للحرب والسلم، والسياسة والاقتصاد، وهي التي تملي على الآخرين المواقف السياسية والاقتصادية والتعليمية وغيرها، وهي التي تحدد الحدود، وتقرر قواعد التعامل التجاري وحركة الملاحة الجوية والبرية والبحرية، وهي التي تصنف أنظمة الحكم إلى حرة أو علمانية أو ديموقراطية أو ديكتاتورية أو غير ذلك، وهي التي تقرر شرعية أو لا شرعية نظام أو تنظيم مسلح أو غير مسلح، وهي التي توعز بإجراء انتخابات في بلد ما من البلدان التابعة، بل هي التي تقرر من سيشارك في هذه الانتخابات ومن لا يسمح له بالمشاركة فيها، وتقرر توقيتها وتوقيفها واستئنافها ومكان إجرائها وتمويلها وأمورا بين ذلك كثيرا.

أيها الناس: هذا هو حال الانتخابات التي قررت المحكمة العليا الفلسطينية إجراءها في الضفة الغربية فقط دون غزة والقدس. حسبوا أنفسهم سلطة ولهم محكمة عليا فقرروا، وما عرفوا أن الصغار لا مكان لهم عندما يتصارع الكبار. وإنا نقول لهم: على رسلكم أيها القوم، فلستم كبارا حتى تحاكوا الكبار، بل أنتم صغار وتبع لتبع، فلا أنتم مستقلون ولا من تتبعون، بل أنتم محتلون بائسون، وعلى فتات الناس تقتاتون، وما الصلاحيات والسلطات التي تزعمون إلا أُلهيات لكم، وبها تلعبون. ولقد علمتم ما جرى مع من هم أشد منكم قوة وأكثر جمعا في مصر الكنانة، فرحوا بانتخاباتهم، ونصّبوا رئيسهم، ثم لما قرر الكبار الحسم حبسوا الرئيس وانقلبوا على الانتخابات، وأزالوا جثث المعتصمين بالجرافات، فهل من مدكر. فخير لكم أن تعودوا إلى أمتكم، وتتركوا أمر القضية الفلسطينية لمن هو أكبر منكم وأقدر، فالقضية كبيرة تحتاج إلى الكبار، ومقدسة تحتاج إلى المؤمنين المخبتين، ومعقدة تحتاج إلى السياسيين المفكرين، وجوهرة تحتاج إلى صائغين مهرة محترفين، فكفاكم صغارا، وأخرجوا أنفسكم من هذا المستنقع السياسي القذر، واحملوا حقائبكم وارحلوا، فبيوتكم في الضفة وغزة تحت الاحتلال أقل سوءً من قصوركم المشيدة في المهانة والإذلال، فلن تنفعكم انتخابات ولو حرصتم، وقد جربتم ذلك قبل عشر سنوات، ولا نفاق للكبار سيفيدكم، وليس لكم والله إلا الخروج من صف الصغار، أنتم وباقي دويلات الضرار في العالم الإسلامي لا أستثني منكم أحدا، والعمل الجاد مع العاملين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة. تلكم الدولة هي صاحبة القدر الكبير، ولها اليد الطولى في صراع الكفار المرير، وهي التي ستهزمهم وتعيد الحق إلى نصابه، وهي التي ستحاسبكم أشد الحساب إذا لم تستمعوا للنصح ولم تعوا الدرس.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: اتسمت الدولة العثمانية في أول عهدها بتقريب أهل الشريعة من العلماء المخلصين، والعدل التام بين الرعية، وعدم الغرور بالجاه أو السلطان، والحرص على رضا الله، والحثِّ على الجهاد لرفع راية الإسلام، والزهد في الدنيا، والاستعداد للقاء الله تعالى، ولذلك صارت من الكبار واتسعت رقعتها الجغرافية، وبلغت مساحة الـــدولة العلية العثمـــانية في عهد أمير المــؤمنين السلطـــان سليمـــان القــــانوني رضي الله عنه في أوروبا وآسيا وإفريقيا أكثر من عشرين مليون كلم مربع، هــذا عــدا عن الأقطــار التي وصلتها كتـــائب الصاعقة والقراصنة وتمكنوا من الاستيلاء عليها ورفع الهـــلال العثماني على أراضيها. ولما تغيرت تلكم السمات الطيبة، ودخلت الدولة مرحلة الابتعاد عن تحكيم شرع الله تعالى، توالت عليها الفتن تترى، وهزمت في صراعاتها، وتكالب عليها الكبار فأسقطوها. وصدق الله العظيم حين يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.

أيها الناس: وطنوا أنفسكم على أن تقيموا دولة كبيرة تؤسسونها على تقوى من الله ورضوان، وتستمد قوتها من الله الواحد الديان، وانبذوا هذه الكيانات الصغيرة التي أسست على شفا جرف هار، فإنها سريعا ستنهار، وسيذهب زعماؤها الأشرار، وأشياعهم الفجار إلى الهاوية وبئس القرار. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.