السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "حكامنا ردّاحون!"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 13 محرم الحرام 1438هـ الموافق 14 تشرين الأول/أكتوبر 2016م

 

 

 

الجمعة 13 محرّم 1438هـ

2016/10/14م

حكامنا ردّاحون

(الخطبة الأولى) أيها الناس: استنكر المسلمون الأتراك كما استنكر غيرهم من المسلمين، ونحن منهم، مشاركة الرئيس الروسي المجرم بوتين في مؤتمر الطاقة الدولي الثالث والعشرين الذي عقد مؤخرا في اسطنبول، خصوصا وأنها زيارة لمجرم حرب يرتكب أفظع المجازر بحق المسلمين في حلب وغيرها، ولم تجف دماؤهم بعد، بل ولم يتوقف القصف بعد. فكيف يجرؤ هذا السفاح على أن تطأ قدمه أرض المسلمين ويداه تقطران من دمائهم، وأشلاؤهم تتطاير في الهواء، وتدفن جثثهم تحت الأنقاض؟ وكيف يجرؤ حاكم تركيا الثعلب على تحدي مشاعر المسلمين، واستقبال ذلك الوغد الروسي الصليبي الكافر، ويفرش له السجاد الأحمر، ويطعمه من أطيب الطعام، ويوطئه وثير الفراش، ويبيت آمنا على بعد أميال قليلة من العائلات الثكلى والأرامل والأيتام الذين تشردوا بفعل القصف الوحشي لطائراته التي لا تغادر سماء حلب ساعة من ليل أو نهار؟ وكيف يعلن على الملأ أنهما قد اتفقا على تطوير التعاون بينهما فيما يتعلق بالقضايا السورية والعراقية؟

أيها الناس: إن هذه الزيارة، التي تأتي في الوقت الذي تواصل فيه روسيا مجازرها في سوريا، وفي الوقت الذي سَوّى فيه النظام السوري حلب بالأرض، تتحدى وتسخر من مشاعر وقيم تركيا وأهلها والأمة بأسرها. فبوتين عدو للإسلام والمسلمين، وروسيا دولة استعمارية احتلت الشيشان وأفغانستان وجزيرة القرم، وترتكب المجازر الآن في سوريا. وسيعتبر بوتين عدوا دائما للإسلام وقاتلًا للمسلمين ما بقي فيهم عرق ينبض، وستدرجه الأمةُ، وكلَّ من شاركه في إجرامه على حلب وغيرها، على رأس قائمة المطلوبين بقوة للعدالة الإسلامية طال الزمان أم قصر. ولكننا لا نملك اليوم إلا أن نفضحهم على رؤوس الأشهاد، بأنهم وأنظمة الحكم في إيران والعراق وسوريا وحزب إيران في لبنان يشنون حربا ضروسا علينا نيابة عن أميركا، وبتنسيق تام مع الأمم المتحدة ومبعوثيها ومؤسساتها، بعد أن أحسوا بأن بأس الخلافة الإسلامية قادم لا محالة، واستشعروا ذلك قبل قيامها، وتأكدوا بأن أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وهارون والمعتصم وسليمان القانوني قادمون، وأن جند الخلافة هم المنصورون الغالبون، وأن الغرب وأذنابه سيهزمون، وسيولون الدبر عن بلاد المسلمين عما قريب على أيدي الذين يكافحون لجعل بلاد الشام مركز دار الإسلام، ونقطة انطلاق الخلافة الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة بإذن الله.

أيها الناس: يذكرنا تخلف أوردوغان وجيشه، وباقي حكام المسلمين الخونة المتخلفين عن نصرة أهل الشام وجيوشهم، بأول قصة تخلف عن الجهاد في سبيل الله حصلت أيام النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، حيث تخلف ثلاثة من المسلمين هم: كعب بن مالك و مرارة بن الربيع وهلال بن أمية من غير عذر شرعي ولا نفاق. ولكن المخلفين الأولين كانوا مع أنفسهم صادقين، وكذلك مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولم يخادعوه، ولم يأتوا بأعذار كاذبة، بل صدقوا واعترفوا بتخلفهم، ولجأوا إلى الله تائبين مستغفرين فتاب الله عليهم. وبينما هم في حال التخلف هذا، جاءت رسالة من ملك غسان إلى كعب رضي الله عنه فيها: إنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار مهانة، فالحق بنا نواسك. فاسترجع كعب وقال:إنا لله و إنا إليه راجعون لقد طمع بي رجل كافر. يقول كعب:فسجرت بها التنور، أي أحرقتها. فلما مضت خمسون ليلة أذن الله بالفرج وجاءت التوبة، قال كعب: فما أنعم الله علي بنعمة بعد الإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، و الله ما أعلم أحداً ابتلاه الله بصدق الحديث بمثل ما ابتلاني. ونزل قوله تعالى: "وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. أما المخلفون اليوم فقد استجابوا طوعا أو كرها لكتب ملوك روسيا وأميركا وبريطانيا وفرنسا وغيرها، وتولوا قوما غضب الله عليهم ولعنهم، وطبع الله على قلوبهم، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، فكَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد استعرت الحرب الشاملة على سوريا، فالمجازر متكررة، والمستشفيات بل البيوت مدمرة، والشهداء والجرحى يصعب إحصاؤهم، ورائحة الموت في كل مكان في كثير من مناطق سوريا، وهي اليوم في حلب تجاوزت الرائحة إلى الأجساد المحترقة، وكل ذلك على مرأى ومسمع الحكام الرداحين في بلاد المسلمين. فأوردوغان يردح للعبادي، ومن قبل ما ردح عبد الناصر لحسين، وكم ردح صدام لحافظ، وردح القذافي لعبد الله، وردح علي وبن علي وغيرهم كثير، بل إن أحدا من الحكام لم ينأ بنفسه عن الردح ولو ساعة من إعلام مرئي أو مقروء أو مسموع. يردحون وجيوشهم رابضة في ثكناتها إلا على الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل. فجيش الأردن يراقب ويمنع السوريين المظلومين العالقين على الحدود السورية "الركبان" الذين يمنعون من اللجوء إلى الأردن. وأما دول الجوار الأخرى فالعراق ولبنان ممران لحرس إيران وحزب إيران والمليشيات والأشياع والأتباع، فهي تدخل سوريا لنصرة الطاغية، وإشعال المجازر، والحيلولة دون أن تنطفئ... وحتى الدول المحيطة بالجوار فهي كذلك تضر ولا تنفع، فإن النظام السعودي فتح جبهة اليمن لإرضاء أمريكا فأشغل الجيش السعودي في تلك الجبهة بدل أن ينصر أهل الشام عن طريق الأردن، وهم قادرون لو صدقوا الله ورسوله أن ينقذوا أهل الشام من طاغية الشام، ولا يحتاج ذلك سنوات خمساً، بل أشهراً خمسةً تكفي وتزيد، ولكنهم لم يفعلوا. وأما الجامعة العربية فهي تجتمع وتناقش موضوع حلب، وبدل الدعوة لإعلان النفير العام لإنقاذ حلب فهي تطلب تدخل المجتمع الدولي في "وقفة عاجلة"! حقاً إذا "لم تستح فاصنع ما شئت"!... وأما منظمة التعاون الإسلامي فيبدو أنها ليست في عجلة من أمرها فقد دعت لاجتماع طارئ يوم الأحد القادم! في مقر الأمانة العامة في مدينة جدة، لبحث الأوضاع الإنسانية المتدهورة في مدينة حلب السورية...).

أيها الناس: هؤلاء هم الحكام في بلاد المسلمين، وهذه هي خيانتهم وعمالتهم، فقدوا حتى المشاعر التي تنتج الحياء! ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. إنه لم يبق لهذه الأمة إلا أن يتحرك جند مخلص من جيوشها، فيكون الانقلاب على الحكام بالتنسيق مع حملة الدعوة المخلصين، ثم يعلن النفير، ويصدع التكبير، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.