السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "الموصل والنفير العالمي!"

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 20 محرم الحرام 1438هـ الموافق 21 تشرين الأول/أكتوبر 2016م

 

 

 

 

 

الجمعة 20 محرّم 1438هـ

2016/10/21م

الموصل والنفير العالمي

 

(الخطبة الأولى) أيها الناس: تتجه الأنظار تلقاء الموصل هذه الأيام لتبصر ما ستسفر عنه المعركة التي زعم رئيس الوزراء العراقي أنها معركة النصر والتحرير، ومعركة النفير العالمي لاسترداد الموصل. وكانت ميليشيات البغدادي، أو ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية، قد اقتحمت الموصل قبل عامين مخترقة حدود سايكس/بيكو بين سوريا والعراق، وأعلنت دولة خلافة إسلامية مزيفة فيها. والهدف المعلن من هذه المعركة هو إعادة الموصل إلى حضن العراق ضمن حدود سايكس/بيكو المشؤومة. وكانت الأنظار قد اتجهت قبل نحو ثلاثة عقود تلقاء الكويت إبان ما أسماه العراقيون وقتئذ بالعدوان الثلاثيني، والذي أسفر عن تثبيت حدود سايكس/بيكو التي اخترقها جيش صدام معلنا الكويت محافظة من محافظات العراق. واستطاعت أميركا ومن شايعها في ذلك العدوان أن تسترد الكويت من قبضة صدام، وتعيد تثبيت آل صباح حكاما يرضى عنهم المجتمع الدولي. وهكذا تعبث أميركا ومن شايعها في شمال العراق كما عبثوا من قبل في جنوبه ووسطه. لقد أعلنوا النفير العالمي ضد حاكم العراق صدام، وقتلوا من قتلوا من المسلمين، وشردوا من شردوا منهم، ودمروا ممتلكاتهم الخاصة والعامة، ثم هم اليوم يعلنون النفير العالمي مع حاكم العراق العبادي، ليقتلوا من المسلمين ما يقتلون، ويشردوا منهم ما يشردون، وليدمروا من ممتلكاتهم الخاصة والعامة ما يدمرون. فما هي حقيقة هذه الاستنفارات العالمية في بلاد المسلمين في العراق وسوريا وأفغانستان واليمن وميانمار وإفريقيا الوسطى وغيرها؟ وما هو موقف الشريعة الإسلامية منها؟ ولماذا يشارك حكام المسلمين في هذه الاستنفارات الدولية في سبيل الشيطان، ولا ينفرون خفافا ولا ثقالا في سبيل الله لتحرير أراضينا المغتصبة، ومقدساتنا المدنسة، وأعراضنا المنتهكة، وأموالنا المنتهبة؟ والأجوبة على تلكم الأسئلة في غاية الوضوح والبساطة، فالكفار الأميريكيون والأوروبيون والروس أعداء لأمة الإسلام، وأعلنوها حربا علينا لا هوادة فيها، هدموا دولتنا وعطلوا تطبيق شريعتنا، ونصبوا علينا حكاما، هم لهم عملاء، ولنا أعداء، وهم أصل الداء، والعمل لإزالتهم أصل الدواء. فهم ليسوا منا ولسنا منهم، وإن كانوا من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم لنا قبل أن نرى وجوههم الكالحة فيما رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناسُ يَسأَلونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ الخيرِ، وكنتُ أسأَلُه عنِ الشرِّ، مَخافَةَ أن يُدرِكَني، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا اللهُ بهذا الخيرِ، فهل بعدَ هذا الخيرِ من شرٍّ؟ قال: (نعمْ). قلتُ: وهل بعدَ ذلك الشرِّ من خيرٍ؟ قال: (نعمْ، وفيه دَخَنٌ). قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: (قومٌ يَهْدُونَ بغيرِ هَديِي، تَعرِفُ منهم وتُنكِرُ). قلتُ: فهل بعدَ ذلك الخيرِ من شرٍّ؟ قال: (نعمْ، دُعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابهم إليها قَذَفوه فيها). قلتُ: يا رسولَ اللهِ صِفْهم لنا، قال: (هم من جِلدَتِنا، ويتكَلَّمونَ بألسِنَتِنا). قلتُ: فما تأمُرُني إن أدرَكني ذلك؟ قال: (تَلزَمُ جماعةَ المسلمينَ وإمامَهم). قلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: (فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصلِ شجرةٍ، حتى يُدرِكَك الموتُ وأنت على ذلك. والحديثِ: عَلَمٌ مِن أعلام نُبوَّته صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيثُ أخْبَر بأمورٍ مُختلفةٍ مِن الغيبِ لا يَعلَمُها إلَّا مَن أُوحِيَ إليه بذلِك من الأنبياء والمُرسَلِين. وهذه الفرق هي فرق الحكام وأحزابهم وعائلاتهم ومن شايعهم في خيانتهم وتابعهم على ضلالهم، وأما اعتزالهم فهو نبذهم والعمل الجاد لخلعهم، وإيجاد جماعة المسلمين وإمامهم على أنقاض حكمهم.

أيها الناس: إننا معشر المسلمين أهل النفير وأصحاب الجهاد والقتال في سبيل الله، وتاريخنا حافل بالمواقف المشرفة التي تحركت فيها جيوش المسلمين لنصرة المستضعفين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وفتح الحصون التي وقفت حائلا أمام انتشار الدعوة الإسلامية هدى ونورا للعالمين، منذ عهد النبوة حتى أواخر عهد الدولة العثمانية. وقد أمرنا ربنا عز وجل في كتابه العزيز بالنفير، ونهانا عن التثاقل عن تحقيق هذه الأهداف النبيلة للأمة والبشرية جمعاء في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وقال عز من قائل: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. ولكننا في ظل إمرة السفهاء أوقفنا النفير في سبيل الله، وصار الكفار يستنفرون خيلهم ورجلهم علينا، وصار حكامنا يستنفرون معهم ضدنا! فالعجب كل العجب من تبدل هذه الأحوال، والعجب كل العجب من انقلاب الأمور رأسا على عقب، ولكن هذا العجب يزول إذا تأملنا قول الله عز وجل: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ولما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيًّا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابَهم. فاللهم لا تعذبنا بقعودنا عن النفير، ولا تؤاخذنا بنفير حكامنا مع أعدائنا.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن الذي يحدث اليوم من شدة وعسر في الموصل وحلب وغيرها يعتبر مؤشرات إيجابية على قرب الفرج واليسر بإذن الله، قال سبحانه: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. وروي عن ابن عباس يقول الله تعالى: "خلقت عسرا واحدا وخلقت يسرين، ولن يغلب عسر يسرين". وما هو إلا اختبار وابتلاء للأمة عموما والمخلصين فيها على وجه الخصوص، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليتميز بجلاء ووضوح من يريد إعزاز الدين ممن يستغل الدين ستارا لمصالحه الدنيوية ومصالح أسياده. عندها تعرف الأمة رجالها الأوفياء، وقادتها الأنقياء الأتقياء، فيعضوا عليهم بالنواجذ، بعد أن تلفظ الأدعياء لفظ النواة، وتلقي بهم على مزابل تاريخها الحافل بأمثالهم.

أيها الناس: ليست القضية حربا مذهبية بين شيعة وسنة كما يحاول علماء السعودية وإيران أن يصوروها، ولا قومية بين عرب وترك وأكراد، كما يحلو للبعض أن يظهرها، وإنما هي حرب ضد الإسلام والمسلمين من محاور متعددة ومتنوعة، وهدفها تمكين الكفار من رقاب المسلمين أكثر وأكثر، ومنع إقامة دولة الخلافة الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي تتشكل ملامحها يوما بعد يوم أكثر وأكثر، وستكون نهاية المتربصين بالإسلام وأهله على أيديها قريبا بإذن الله.