السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 


فلسطين: خطبة جمعة "تعديل المناهج المدرسية كارثة تعليمية!"

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 04 صفر 1438هـ الموافق 04 تشرين الثاني/نوفمبر 2016م

 

 

 

 

الجمعة، 04 صَفر 1438ه

4/11/2016م

تعديل المناهج المدرسية كارثة تعليمية إضافية

 

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ}، ولم تكن هذه الملامح الإيمانية والصفات الخُلقية الرفيعة إلا نتاجا لمنهج الإسلام في التربية والتعليم، لإيجاد الشخصيات الإسلامية المتميزة. فالمعلم الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أرسى قواعد التعليم وبناء الشخصيات الإسلامية أول مرة في التاريخ البشري، وتخرج من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم كبار رجالات التاريخ الإسلامي من الصحابة الكرام، ومن جاء بعدهم من القادة الأفذاذ والساسة العظماء والعلماء النحارير. وجمع الإسلام العلم والجهاد في آية واحدة في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً، فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. وهذه إشارة واضحة على أهمية العلم والفقه في دين الله ضمن مدرسة تتخذ منهاجا إسلاميا أصيلا ينفر الناس فيه إلى الجهاد في سبيل الله، ويَصبرون أنفسهم في حلقات العلم، فيصيبوا إحدى الحسنيين في ساحات الوغى، ويحققوا عبادةَ الله على علم، يحذرون به الآخرة ويرجون رحمة الله.

أيها الناس: لقد بقي المسلمون قرونا طويلة من تاريخهم المجيد يخرجون الأجيال تترى مجاهدة متفقهة، سادوا خلالها ثلث العالم، وتفوقوا على أقرانهم من الأمم الأخرى في مجالات الحياة جميعا. ولكنهم في القرن الآخير هبطوا وانتكسوا، وتراجعوا حتى أصبحوا في ذيل الأمم، بل سيطرت عليهم الأمم وصاروا أصفارا على شمال ما يعرف اليوم بهيئة الأمم. فما هو السبب في هذه الهزيمة النكراء معشر المسلمين؟ والجواب واضح لكل ذي لب، إنه قلة التمسك بالدين الذين هو عصمة الأمر، وبدا ذلك جليا على المسلمين منذ أواخر عهد الدولة العثمانية عندما اتجهوا لتغريب مناهجهم الدراسية وتغيير أنماط معيشتهم، وانبهروا بتقدم الغرب العلمي وثقافته، واكتمل التفاف حبل المشنقة الغربي حول أعناقهم بهدم دولة خلافتهم، وتقسيم بلادهم، وتغيير نظام الحكم الإسلامي، واستبدال أنظمة وضعية علمانية به. وقد أدى ذلك إلى البدء في أكبر عملية تغيير في مناهج التعليم لدى المسلمين في التاريخ، وكان من أبرز معالمها التخلي عن بناء الشخصيات الإسلامية عند الطلاب المسلمين، وإبعادهم عن العقيدة والجهاد والفقه والتاريخ الإسلامي واللغة العربية، ووضع القائمون على مناهج التعليم نصب أعينهم سلخ المسلمين عن دينهم وتاريخهم ولغتهم بكل ما تعني الكلمة من معنى.

أيها الناس: ليس غريبا بعد ذلك ألا ترى في جيوش المسلمين خالدا وعمروا وصلاح الدين، وليس غريبا ألا ترى في فقهائنا أبا حنيفة والشافعي ومالكا وابن حنبل، ولا ترى في علمائنا كِنديا ولا رازيا ولا جزريا ولا ابن هيثم، وليس غريبا ألا ترى في مؤرخينا ابن خلدون ولا واقديا ولا طبريا ولا مبردا ولا ابن أثير، وليس غريبا ألا ترى في نسائنا خنساءً ولا هندا ولا سكينة ولا خولة، إلا ما ندر، والنادر لا حكم له. إذن فعموم أمتنا اليوم نتاج للمناهج المدرسية البائسة، وعموم طلابنا لا يملكون الحد الأدنى من أدب طلاب العلم، وهذا الحد الأدنى مستهدف لينزل إلى حد أدنى منه. ومن هنا جاءت مراجعات المناهج في دول عديدة منها المغرب والجزائر وتونس والأردن وغيرها، حتى في فلسطين العتيدة، هجم وكلاء أميركا في سلك التعليم على مناهج الدين واللغة العربية والتاريخ المرة تتلوها المرة، وأمعنوا فيها تغييرا وتعديلا وتبديلا، ووضعوا منيرا بدل محمد، وكنيسة مكان مسجد، وسلاما عوضا عن الجهاد، وساووا بين الأديان، وحذفوا سورا من القرآن، ووضعوا مكانها جملا وعبارات من تأليفهم، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. وبلغ الإسفاف منتهاه عندما كتبوا في كتاب الرياضيات للصف الثالث صفحة 16 مثالا نصه: (صلى في كنيسة القيامة يوم الأحد 6517 شخصا، وصلى فيها يوم الإثنين 314 شخصا، فأن تقع كنيسة القيامة؟ ومن يذكر أسماء كنائس أخرى في فلسطين؟ وفي أي يوم كان عدد المصلين أكبر، يوم الأحد أم يوم الإثنين، لماذا؟ فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: نقول كلمة باقية في عقب القائمين على السلطة الفلسطينية لعلهم يرجعون، بعد أن أسّستم سلطتكم على التنازل والتفريط بمعظم فلسطين، أردتم أن تمحوا من أذهان أبنائنا واجب تحريرها وإعادتها كما كانت أرضاً إسلامية خراجية ملكاً لأمة محمدصلى الله عليه وسلم، فهذه مناهجكم تقدّسُ عَلَمَاً رسمه سايكس الإنجليزي وبيكو الفرنسي، وتحتفي باستقلال مزعوم لدولة إفك لا وجود لها إلا في خيالاتكم، ثم تدرّسون أبناءنا عن هذه الدولة المزعومة وتدلّلون على وجودها بالقدس عاصمة لها وأنتم لا تستطيعون الوصول إليها إلا بإذن من يهود، ورئيس لها لا يملك الحركة إلا بإذن يهود، وأجهزة أمن تربّت على يد دايتون لحماية كيان يهود، وحتى سفركم فبجوازات خِتمُ الدخول والخروج عليها ليهود، فأي عبث وتشويه لعقول أبنائنا تنشدون؟!. وإنكم ترتكبون اليوم جريمة نكراء بحق أبنائنا، وتشنون حربا خاسرة على قيم الإسلام. ويا ليتكم وقفتم ولم تتبعوا ما اقترفتم بما هو أخطر تحت مسمّى النشاطات اللامنهجية، التي فتحتم بموجبها مدارسنا للبنوك الربوية ولكل الجمعيات والمؤسسات الممولة من الكافر الذي يمقت ديننا وقيمنا ويريد أن ينقل فجوره وأوبئته إلينا، حتى أصبحت تلك الجهات المشبوهة تدخل إلى مدارسنا وتبث فيها سموم الديمقراطية والعلمانية والحلول الاستسلامية، وتدمر الأخلاق والقيم والعفة عند أبنائنا وبناتنا بنشاطات تدعو إلى الاختلاط، ونشر مواد تتضمن ألفاظاً ورسوماً وشروحاً تتعلق بالجنس والتحرش الجنسي، مما يخجل الرجل أن يذكره أمام زوجه، وهي تأتي في سياق تصوير مجتمعاتنا بأنها مغمورة برذيلة خفية، وتعمل أيضاً على تذليل العقبات وتسويق الرذيلة أمام أبنائنا وبناتنا.ثم إنكم لم تقتصروا على هذه النشاطات في المدارس، بل فتحتم أبواب الجامعات للحفلات المختلطة والفرق الماجنة حتى تُمعنوا في إفساد أبنائنا، ومنها الحفلات التي رعتها شركة جوال في الأيام الأخيرة لفرقة تغني كُفراً تُحيّي فيه البوذية، ناهيك عن المجون والاختلاط الذي رافقها، كل هذا يحدث بدعوى الدعم المالي، ولسان حالكم يقول للناس: نحن نبيع أبناءكم وأعراضكم لمن يدفع!

أيها الناس:إنّ أبناءنا بحاجة إلى رجال أخيار ينفثون فيهم العزة، ومناهج تعليم تبني فيهم قيم الإسلام وترفع من شأن دينهم وعقيدتهم، وترتقي بهم في دروب العلم والمعرفة في كل مجالات الحياة، لينطلقوا حاملين دعوة الخير إلى الناس كافة محققين الشهادة على الناس ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾... وإن أبناءنا بحاجة إلى سياسة تعليم ومناهج قائمة على أساس عقيدة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، تعلمهم حبّ الله وحبّ رسوله والجهاد في سبيل الله، وتغرس فيهم الشوق لرضوان الله وجنّته، والخوف من سخطه وعذابه، وفيها من علوم الدنيا ما يضعهم في موقع الصدارة من الأمم، والذرى من القمم. ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة دولة خلافة المسلمين الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، والتي ستعيد سير الأولين العطرة في مجالات الحياة المتنوعة، وتنقذ المسلمين من براثن هؤلاء الحكام أولياء أميركا والشيطان.