السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "قوة الوحدة ووحدة القوة!"


لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 11 صفر 1438هـ الموافق 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2016م

 

 

 

الجمعة، 11 صَفر 1438ه
11/11/2016م


قوة الوحدة ووحدة القوة


(الخطبة الأولى)

أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، و في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:(إن اللّه يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه اللّه أمركم، ويسخط لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). وأخرج الطبري عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه جَمِيعًا} قَالَ: الْجَمَاعَة. وقال آخرون: عَنَى بِذَلِكَ الْقُرْآن، وَالْعَهْد الَّذِي عَهِدَ فِيهِ. فنحن في أمر حبل الله بين خيرين عظيمين لا ينفك أحدهما عن الآخر، الخير الأول هو الجماعة، والجماعة هي الأمة على إمام دار العدل، وهي دولة الإسلام، وهي الحبل المتين الذي ينظم الأمة، ويجمع شتاتها، بكل مكوناتها وأعراقها. والخير الثاني هو القرآن، وهو كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُم،ْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُم،ْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدّ،ِ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.


أيها الناس: عندما جمع الأولون هذين الخيرين، الدولة والقرآن، أقاموا الدين ولم يتفرقوا، وصاروا مكونا متميزا من مكونات العالم الذي عاصروه، وانطلقوا جادين راشدين مهديين مجاهدين لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. أجل، أيها المسلمون، بهذين الخيرين سادوا وتفوقوا، وبهما فتحوا البلاد وهدوا العباد، وخضعت لهم رقاب الجبابرة، ودانت لهم الأمم، ووصل الإسلام إلى هنا وهناك، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. بهذين الخيرين تحققت القوة، إذ القوة في الوحدة، وتوحدت القوة، فالوحدة فيها القوة. وليست القوة وحدها هي العنصر الحاسم في الانتصار، بل الوحدة والالتزام بشرع الله فيما أمر به ونهى عنه هما شروط النصر، وأما سببه فهو الله مالك الملك الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء.


أيها الناس: لما فرط المسلمون بهذين الخيرين، ورضوا بهدم دولتهم الواحدة وذهاب جماعتهم، وعطلوا الحكم بما أنزل الله من كتاب وسنة، ورضخوا لحكم ملوك الطوائف الجدد – وملوك الطوائف أقل سوءً منهم – لما فعلوا ذلك، اضطرب التزامهم بالإسلام وتذبذب، وتفرقوا أيادي سبأ، وصار بأسهم بينهم شديدا، وسلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم. وصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (...ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بما أنزل الله وتخيروا فيما أنزل الله عز وجل إلا جعل الله بأسهم بينهم...). وهذا عين ما حصل للمسلمين منذ قرن من الزمان، حيث هدمت خلافتهم، وصاروا نيفا وخمسين دويلة مسخا ضرارا ضارةً ومضرة، وسلط الله عليهم بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول المعادية، فقسّمت البلاد وقتّلت العباد وأخذت أهم الثروات! ثم جاءت أميركا، وحش هذا الزمان المتوحش، فتغولت في بلاد المسلمين، وعاثت فيها فسادا، وأهلكت الحرث والنسل. وشواهد إجرامها لا زالت ماثلة للعيان في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، مقتفية آثار أجدادها الذين أبادوا الملايين من الهنود الحمر سكان أميركا الأصليين. فعقلية رعاة البقر القتلة المجرمين هي التي سيطرت على سياسييهم وعسكرييهم وهم يجتاحون بلاد المسلمين بهيئة تتصاغر أمامها هيئة اجتياح المغول.


أيها الناس: أكثر ما لفت انتباهي في تصريحات الرئيس الأميركي القادم بعد فوزه في الانتخابات التي جرت هذا الأسبوع هو تبجحه بقوة الولايات المتحدة الأميركية، وإصراره على بقائها موحدة، وأن ذلك هو مصدر قوتها. وكان قد بلغ به غرور القوة حدا بعيدا أثناء حملته الانتخابية بأن قال: يجب على السعودية أن تدفع لنا مقابل حمايتها من الأطماع الإيرانية، فهي بلد يدخله مليون دولار يوميا، وتكلفنا حمايتها ثروة طائلة، فمن حقنا أخذ المقابل! فإذا كان هذا الكافر يتبجح بقوته الناتجة عن وحدة أمته، فإنا والله أحق بها وأولى، ونحن أهلها. إقرأوا إن شئتم قول الله عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}. وحتى الشاعر الحكيم لم يغب عن باله مفهوم أن القوة في الوحدة وأن في الوحدة قوة عندما قال:


كونوا جميعاً يابني إذا اعترى، خطب ولا تتفرقوا آحـــادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً، وإذا افترقن تكسرت أفرادا


(الخطبة الثانية)

أيها الناس: إن الأمثلة والوقائع في تاريخ أمتنا التي تدلل على معاني الوحدة والقوة أكثر من أن تحصى، وما هُزم المغول في عين جالوت إلا بعد أن توحدت قوى المسلمين تحت قيادة القائد قطز، وما هُزم الصليبيون في فلسطين في معركة حطين إلا بعد أن توحدت قواهم تحت قيادة القائد صلاح الدين، وما هُزم جيش قشتالة في شبه الجزيرة الإيبيرية في معركة الزلاقة إلا بعد أن توحدت قوى المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين مع قوة جيش أندلسي بقيادة المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، وتم إلحاق هزيمة كبيرة بجيش قشتالي مسيحي بقيادة ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون. أجل، أيها المسلمون، الوحدة مصدر القوة، لأنها توحد القوى كلها تحت قيادة واحدة، فما بالكم عندما تكون هذه القوى الموحدة موحِّدة مؤمنة صابرة مجاهدة؟ إنها والله جديرة بالنصر والغلبة، وجديرة بالفوز بإحدى الحسنيين، وجديرة بإخضاع الكفار المتغطرسين ولو كانوا موحدين. فكيف لو عرفتم أن وحدتهم أوهى من بيت العنكبوت، فهذه أوروبا إلى تفكك كما تفكك من قبل الاتحاد السوفييتي، وستتفكك روسيا القيصرية بإذن الله، وقد سمعت مؤخرا عن مطالبة ولاية كاليفورنيا بالانفصال عن الولايات المتحدة بعد فوز ترامب. فاللهم شتت شملهم وفرق جماعتهم، واجمع المسلمين جميعا في ظل دولة واحدة وراية واحدة، ليرى العالم بعد ذلك كيف تستثمر الوحدة والقوة في نشر الخير والعدل في ربوع الأرض كلها، وما ذلك على الله بعزيز.