الخميس، 06 صَفر 1442هـ الموافق 2020/09/24م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "أسبوع التسامح العالمي!"

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 18 صفر الخير 1438هـ الموافق 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2016م

 

 

 

 

الجمعة، 18 صَفر 1438هـ

18/11/2016م

أسبوع التسامح العالمي

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يحتفل العالم كل عام بما يسمى أسبوع التسامح العالمي، وفيه ينشط القائمون على رعاية الأديان السماوية والأرضية، والمنظرون لثقافة التسامح، فيقومون بنشر أفكار التسامح بين بني البشر، كي يعيش الناس على وجه هذه الأرض في سبات ونبات، من غير مغالبة ولا حربات. وليس المقصود بالطبع من هذه النشاطات هو التسامح في دين الإسلام بين المسلمين، فهذا أمر معروف وواضح، ولا نحتاج إلى حملة عالمية لمعرفته، فالله سبحانه وتعالى يقول: {والذين إذا ما غضبوا هم يغفرون}، ويقول جل في علاه: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}. وتنازل المسلم لأخيه المسلم عن حقه يؤجر عليه عند الله، ويزداد به عزا في الدنيا والآخرة. ولكن المقصود المباشر من هذه الحملات السنوية هو تسامح المسلمين مع غير المسلمين، وتلك قضية لا بد من تسليط الضوء عليها حتى لا تختلط الأمور، ولا يحدث الانسياق وراء المروجين لأفكار أعداء الإسلام، أو المنهزمين من المسلمين.

أيها الناس: لقد كانت سماحة الإسلام مع غير المسلمين من أعظم أسباب سرعة انتشاره بعد إقامة دولته، وكانت تلك السرعة الهائلة التي طوى فيها الإسلام أكثر المعمور من الأرض تحت ظله الظليل راجعة إلى عدل هذه الشريعة وحكمتها، عندما رأى العباد ما لا عهد لهم به من قبل، كانوا يرزحون تحت الظلم والبغي وعبادة العباد، فجاءت هذه الشريعة لتنقذهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فهذا يوم الفتح عندما تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة الذين أخرجوه منها، وكانوا قد منعوه من إبلاغ دين الله بينهم، وحالوا دون إيصال الدعوة إلى غيرهم، فكفروا وصدوا غيرهم عن سبيل الله، سامحهم قائلا: لا تثريب عليكم اليوم، إذهبوا فأنتم الطلقاء. وعلى نهج التسامح هذا سار الفاتحون من المجاهدين من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يجبر المسلمون أحدا على الدخول في الإسلام، قال الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. قال ابن كثير رحمه الله: "أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيّن واضح جلي في دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته، دخل فيه على بينة.

أيها الناس:إن دعوة الإسلام إلى المسامحة شيء معروف لكنه ليس ذلاً ولا تنازلاً عن شيء من الدين كما يريد القوم منا اليوم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بدعوة أهل الكتاب ويزور مرضاهم طاعة لله، ولا ينهى عن بر الوالدين المشركيْن. وأوصانا بالكافر إذا كان معاهداً أو ذمياً أن لا يخرق عهد الأمان معه ولا يعتدى عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة).

أيها الناس: إن للتسامح مع أعداء الإسلام حدودا معينة، وهناك حالات لا تسامح فيها مع الكفار، إطلاقاً والتسامح فيها حرام وخزي وذل لا يجوز للمسلمين أن يفعلوه، فلما نقض بنو قينقاع العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت الحرب عليهم لغدرهم، ولما قام بنو النضير بالغدر غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرق نخيلهم، إخزاءً لهم وفتاً في عضدهم، وحاصرهم حتى نزلوا على الجلاء. ولما قام بنو قريظة بالغدر والممالئة، ونقضوا العهد وخالفوا الشروط بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم جاء جبريل بالأمر بالقتال وحكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه بحكم الملك من فوق سبع سماوات. ولما قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة وسكنوا فيها، وأظهروا الإسلام، فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وراع، ولما صحوا وعادت إليهم عافيتهم قتلوا الراعي وفقأوا عينه، وارتدوا عن الإسلام وأخذوا الإبل. فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار، فبعث في آثارهم، فما ارتفع النهار إلا وجميع الكفار مرصوصين عند النبي صلى الله عليه وسلم، موثقين، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وكحلوا بمسامير الحديد المحماة، وفقئت أعينهم كما فعلوا بالراعي، قصاصاً ثم ألقوا في الحرة على الصخور الحامية يستسقون الماء فلا يسقون وينزفون حتى الموت. وهذا ابن خطل، كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعلق يوم الفتح بأستار الكعبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اقتلوه. ومثل ذلك كثير، فلا تسامح في الحدود الشرعية ولا تسامح في سباب النبي عليه الصلاة والسلام. فكيف يأتي أقوام يطلبون منا مسامحة من أساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستهزأ به من قبل أن نقدر عليهم؟ وكيف نسامح الحكام الذين قتلوا مئات الآلاف بل الملايين من المسلمين في الشام والعراق واليمن وبورما وإفريقيا الوسطى والشيشان وكشمير والصومال وغيرها من قبل أن نقدر عليهم؟ وكيف نسامح جزار الكرملين الذي لم يدخر سلاحا فتاكا إلا وأعمله في حلب وغيرها من مناطق الشام من قبل أن نقدر عليه ونقتص منه؟ وكيف نسامح من اغتصب فلسطين والمسجد الأقصى ويريد أن يمنع رفع الأذان من مآذنها من قبل أن نقدر عليهم؟ بل هل نسامح مسلما وصف الأذان بأنه كنهيق الحمار من قبل أن نقدر عليه ونعاقبه؟ وكيف نسامح من بدد الثروة النفطية بسفه منقطع النظير، وافقر المسلمين النفطييين قبل غيرهم؟ وكيف بالله عليكم نسامح من اغتصب حرائر المسلمين، وانتهك أعراضهن، وطعن في عرض أم المؤمنين وتطاول على كبار الصحابة الكرام؟ وكيف نسامح من عطل الجهاد في سبيل الله، وتخاذل عن نصرة إخوته وجيرانه وأبناء دينه وعقيدته؟

(الخطبة الثانية) أيها الناس: عندما كان لنا دولة تحكم بشرع الله وتحمل دعوة الإسلام إلى الناس هداية ونورا، كنا نحدد معايير التسامح ونجبر الآخرين عليها خوفا وطمعا أو انبهارا وإعجابا. قال ملك الصين لرسول يزدجرد بعد أن طلب منه العون على المسلمين: صف لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فإني أراك تذكر قلةً منهم وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل منكم مع كثرتكم، إلا بخير عندهم وشر فيكم. فقلت: سلني عما أحببت. فقال: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم. قال: وما يقولون لكم قبل القتال. قال قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبنا أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة؟ قال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوع قوم وأرشدهم. قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبرته. قال: هل يحلون ما حرم عليهم أو يحرمون ما حلل لهم؟ قلت: لا. قال: فإن هؤلاء القوم لا يزالون على ظفر حتى يحلوا حرامهم أو يحرموا حلالهم... وكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالةُ بما يحق علي، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة ولا تهيجهم ما لم يهيجوك.

أيها الناس: هكذا كنا، وهكذا يجب أن نكون، ولن يكون ذلك إلا بعودة الخلافة الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، على أنقاض أنظمة الملك الجبرية. فاللهم ارزقناها واجعلنا من شهودها وجنودها.