السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "رجالٌ وأيُّ رجال!"


لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 25 صفر الخير 1438هـ الموافق 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2016م

 

 

الجمعة، 25 صَفر 1438هـ

25/11/2016م

رجالٌ وأيُّ رجال

(الخطبة الأولى) أيها الناس: اختار فرعون أميركا الجديد ترامب أحد المليارديرات ليكون وزيرا للتجارة في إدارته المقبلة، ليستكمل تنفيذ تهديداته بزيادة غنى الأغنياء الأميركيين على حساب أشباه الرجال من حكام المسلمين النفطيين. وهو اختيار يتناسب مع المبدأ الرأسمالي الجشع الذي يقوم على مص دماء الشعوب، وإفقار الناس لتحقيق أكبر قدر من المتع والملذات لأساطين الحكم فيه. وهو عين ما يفعله الحكام المجرمون عند اختيار رجال البطانة في أنظمة الحكم الطاغوتية القائمة في العالم الإسلامي. وقد أثار هذا الاختيار الفرعوني شجونا ذاتَ صلة بالحكم والإدارة واختيار رجال البطانة لدى المسلمين في عصورهم الزاهرة. فقد أخرج الحاكم في المستدرك والدينوري في المجالسة وجواهر العلم والبخاري في التاريخ الأوسط وغيرهم من المحدثين بروايات حسنة، بعضها على شرط البخاري ومسلم،عن عمر رضي الله عنه: أنه قال لأصحابه: تمنوا، فقال بعضهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق، وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقة في سبيل الله وأتصدق، ثم قال عمر: تمنوا، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان. وفي رواية أخرى: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا بِقَوْمٍ يَتَمَنَّوْنَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ سَكَتُوا، فَقَالَ لَهُمْ: فِيمَا كُنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا نَتَمَنَّى. قَالَ: فَتَمَنَّوْا وَأَنَا أَتَمَنَّى مَعَكُمْ. قَالُوا: فَتَمَنَّ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: أَتَمَنَّى رِجَالا مِلْءَ هَذَا الْبَيْتِ مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، إِنَّ سَالِمًا كَانَ شَدِيدًا فِي ذَاتِ اللهِ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ مَا أَطَاعَهُ، وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَةَ، فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ)، وهو أحد العشَرة المبشرين بالجنة. ومعلوم أن معاذ بن جبل أعلمُ الناس بالحلال والحرام، وسالما كان يؤخذ عنه القرآن، وحذيفة هو حافظُ سر النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أخرى: فَأَسْتَعْمِلَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، يعني أتخذهم معاونين في الحكم،فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله. قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ بِمَالٍ إِلَى حُذَيْفَةَ قَالَ: انْظُرْ مَا يَصْنَعُ، قَالَ: فَلَمَّا أَتَاهُ قَسَمَهُ، ثُمَّ بَعَثَ بِمَالٍ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَقَسَمَهُ. وقال عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه: (لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله). ومن أشهر ما قال أبو عبيدة بن الجراح، خطبتُه في أهل الشام وهو أميرهم: (يا أيها الناس: إني مسلم من قريش، وما منكم من أحد، أحمر ولا أسود، يفضلني بتقوى، إلا وددت أني في إهابه)، يعني في جلده وتحت إمرته. ولما جاء عمر رضي الله عنه إلى الشام لتسلم مفاتيح القدس، ونزل على أجناده يتفقد أحوالهم، ودخل بيوت أمراء الأجناد إلا بيت أميرهم أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، فقال له معاتبا: إنه لم يبق أمير من أمراء الأجناد إلا استزارني إلا أنت. فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، إني أخاف إن استزرتك أن تعصر عينيك، فأتاه عمر في بيته، فإذا ليس في بيته إلا لِبَدُ فرسه، وإذا هو فراشه وسرجه، وإذا هو وسادته، وإذا كسرة يابسة في كوة بيته، فجاء بها فوضعها على الأرض بين يديه وأتى بملح جريش وكوز خزف فيه ماء. فلما نظر عمر إلى ذلك بكى، ثم التزمه وقال: أنت أخي، وما من أحد من أصحابي إلا وقد نال من الدنيا ونالت منه، غيرك. فقال له أبو عبيدة: ألم أخبرك أنك ستعصر في بيتي عينيك؟

أيها الناس: هذه هي معايير اختيار رجال الحكم، هنا مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، هنا مدرسة الشفافية الوظيفية، هنا رجال الدولة، رجال وأي رجال. ولما كان حكامنا أمثال عمر رضي الله عنه، ومن ذُكر من الصحابة الكرام رضوان الله عنهم أجمعين، تسلمنا مفاتيح بيت المقدس أعزةً كراما، ونشرنا العدل وبسطنا الخير في ربوع الأرض، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكثر القادة والعلماء والأفذاذ، وساد الأمن والأمان. ولما تبدلت المعايير، وأغلقت مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، مدرسة الرجال وأي رجال، بل ختمت بالشمع الأحمر، وفتحت مدارس تخريج الحكام والمعاونين الأوروبية والأميركية كالسوربون وساند هيرست وهارفارد وكمبريدج وأكسفورد وغيرها، أصبحنا نعيش في ظل رجال الحكم الجدد، الذين استأثروا بأموال الأمة، وقدموا لأعدائها خدمات يعجز عنها حكامهم المنتخبون، ومعاونوهم المخلصون. وقد خرج الناس في عهودهم النحسة من دين الله أفواجا، وعز وجود العلماء والأفذاذ، وغاض الأمن والأمان. فما حاجتنا لحكام ومعاونين يترددون بين الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع من غير ذكاة منا ولا بيعة، ومعظمهم قد ولغ في دماء المسلمين، وتغول في أموالهم وأعراضهم، وأذاقوهم مرارة الجهل والفقر والتعذيب، وأسلموهم لأعدائهم وخذلوهم خذلانا مبينا. ونظرة سريعة على سجلاتهم الإجرامية، وثرواتهم وثروات أبنائهم، تكفي للحكم عليهم بالإبادة السريعة بما يتيسر من غاز الخردل والسارين، لنعجل بهم إلى الله العزيز المنتقم الجبار، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن الألم يعتصر قلوبنا ونحن ننظر إلى أجيال المسلمين اليوم وهي تتهاوى في أعماق الجهل والفقر والخوف والقتل والدمار وقلة التربية وفساد التعليم، وكما تمنى عمر وأصحابه، فإننا نتمنى كما تمنوا، فنتمنى لو تنشق الأرض وتبتلع حكام المسلمين جميعا وأعوانهم وكل من شايعهم على ظلمهم وأذاهم للمسلمين، ونتمنى لو تهلك عصابة ترامب قبل أن ينالوا من مسلم نيلا، ونتمنى لو يرسل الله الطاعون والجراد والقمل والدم على بوتين وحكام طهران وجزار الشام وحزب إيران، أو يرسل عليهم قاصفا من الريح فيغرقهم بما بغوا في الأرض بغير الحق. ولا تنقطع أمنياتنا، فهي كثيرة كثيرة، ونحن في كرب شديد شديد، ولكننا في الختام نتمنى لو يشمر المسلمون عن ساعد الجد ويعملون من فورهم هذا مع العاملين لإقامة دولة خلافة المسلمين الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، كي تنتج لنا رجالا كالسابقين السابقين، فما أحوجنا إلى أمثالهم!