السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "حلب الشهباء تُذبح في إباء!"


لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 03 ربيع الأول 1438هـ الموافق 02 كانون الأول/ديسمبر 2016م

 

 

 

الجمعة، 3 ربيع الأول، 1438هـ

2/12/2016م

حلب الشهباء تُذبح في إباء

(الخطبة الأولى) أيها الناس: قبل نحو ألف عام جرت أحداث في منطقتي حلب والموصل تشبه إلى حد بعيد ما يجري اليوم من أحداث في هاتين المدينتين. حيث قامت الدَّولَةُ الحَمَدَانِيَّةُ، وهي إمارة إسلاميَّة شيعيَّة أسَّسها أبو مُحمَّد الحسن بن أبي الهيجاء، الشهيرُ بِلقب «ناصر الدولة» في مدينة الموصل بِالجزيرة الفُراتيَّة، وامتدَّت لاحقًا باتجاه حلب وسائر الشَّام الشماليَّة وأقسام من جنوب الأناضول. ودامت دولة الحمدانيين في الموصل وحلب 77 سنة، منها 59 سنة في حلب وحدها التي شهدت عصر الدولة الحمدانيَّة الذهبي، وذلك في عهد مؤسس الإمارة الحلبيَّة سيف الدولة. ثم خلفت الدولةُ الفاطميَّة في مصر الدولةَ الإخشيديَّة، وبسط الفاطميُّون حُكمهم على فلسطين ودمشق ولُبنان، وحاولوا أن يمُدُّوا هذا الحُكم إلى الشَّام الشماليَّة، ولكنَّ سعد الدولة وقف في وجه الجيش الفاطمي، فلم يخسر إلَّا حِمص التي انضمَّ والِيها الحمدانيُّ إلى الفاطميين. ولمَّا خلف سعيد الدولة أباه سعد الدولة، أرسل الفاطميُّون جيشًا كبيرًا لِمُعاودة الكرَّة على البلاد الحمدانيَّة، فلم يكن من سعيد الدولة إلَّا أن استنجد بِالبيزنطيين الذين أرسلوا إليه قُوَّة عسكريَّة كبيرة، ولكنَّها هُزمت على يد الفاطميين الذين ضربوا الحصار على حلب مُدَّةً طويلةً دون أن تستسلم. واستمرَّت الإمارة الحمدانيَّة قائمة إلى أن تُوفي سعيد الدولة سنة 1003م، فانقضَّ الفاطميُّون على حلب ودخلوها فاتحين، لِتزول بِذلك الدولة الحمدانيَّة في الشَّام، بعد أن كانت قد زالت في الموصل قبلًا، وعادت إلى كنف الدولة العبَّاسيَّة الواقعة تحت الحماية البويهيَّة، فلا يمكن لطائفة أن تهزم أمة.

أيها الناس: سواءٌ علينا أفهمنا معالم الصراع الذي كان قائما آنذاك بين الفاطميين والحمدانيين والإخشيديين والبويهيين والعباسيين وغيرهم من الأسماء والمسميات السياسية أم لم نفهمه، إلا أننا نجزم أن الصراع بين المسلمين والكفار كان على أشده، بغض النظر عن الأدوات التي استخدمت في هذا الصراع. وسواءٌ علينا أفهمنا معالم الصراع الذي يجري اليوم في حلب والموصل أم لم نفهمه، إلا أننا نجزم أن هناك مواجهة بين المسلمين الثائرين على نظام دمشق، وبين القوى التي تسانده، دون أن نغض النظر عن الأدوات التي يستخدمونها في إطالة عمره، كي نحاسبهم في الوقت المناسب، كما يعملون جاهدين لإطالة عمر النظام العراقي والمصري والسوداني والباكستاني وغيرها من الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي، منعا لانهيارها تحت وطأة ضربات الشعوب الثائرة، وخشية حقيقية من إقامة دولة الخلافة الإسلامية الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة على أنقاض تلك الأنظمة الطاغوتية.

أيها الناس: إن حلب الشهباء تذبح اليوم في إباء، بعد أن تحالف ضدها أنصار الشيطان من المتأسلمين في أنقرة ولبنان، مع قطبي الإجرام روسيا وإيران، وخذلها المجاهدون في سبيل الدولار. وتعاني الموصل في الوقت نفسه من هجوم طائفي همجي بدعوى تحريرها من قبضة تنظيم الدولة، وإعادتها إلى حضن العراق الدولة، وهذا يعيد إلى الأذهان ما كان أيام ناصر الدولة وسعيد الدولة وسعد الدولة وركن الدولة وفخر الدولة ومؤيد الدولة وشرف الدولة وعلاء الدولة ومعز الدولة وعضد الدولة وجلال الدولة وعماد الدولة وصمصام الدولة وأشياعهم وأسيادهم وحلفائهم من المتأسلمين الفاطميين والأعداء التاريخيين للإسلام والمسلمين من الفرس والبيزنطيين. أجل، أيها المسلمون، تلك هي الحقيقة المرة التي يجب علينا أن ندركها تماما حتى نتمكن من التعاطي مع هذه المتغيرات المتسارعة في بؤر الصراع الملتهبة. وفي نفس الوقت، لا نفاجأ بالنتائج التي تحصل على الأرض، والتي لم تكن بفعل القصف الروسي الوحشي ومجازره الرهيبة فقط، ولا بفعل براميل النظام العمياء القاتلة، ولا هي شجاعة في جيش بشار المنهار، ولو أمده السيسي بالجنود وقاذفات النار، ولا هي قطعا بسبب ضعف المجاهدين الثائرين الأبرار، وإنما هي الخيانة! نعم، خيانة قادة بعض الفصائل التي فقدت بوصلتها الثورية بفعل قوة الجاذبية الدولاراتية. وقد شهدت مناطق في الشام مؤخرا مسيرات تندد بخيانة قادة بعض الفصائل وطالبت بإسقاطهم، وأعلن ناشطون في إدلب عبر بيان رسمي قبل أيام، عن ولادة تجمع مدني جديد في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي حمل اسم "تنسيقية تصحيح المسار"، وذلك بهدف تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها الثورة السورية، والعمل على تجاوزها في المستقبل، وإعادة إحياء الحراك الثوري المنسجم مع عقيدة هذه الأمة وتطلعاتها نحو إقامة الخلافة. فاللهم وحد صف الثائرين المخلصين، ورد المنحرفين منهم إلى جادة الصواب ردا جميلا، واهزم أعداءهم، وانصرهم على من عاداهم.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن المؤامرات والقتل والتجويع والضغط السياسي والعسكري، من النظام وأعوانه ومن يساندونه بأمر أمريكا، يشتد على كل جبهات الثورة والثوار في الشام اليوم، وكل ذلك لم يثنِ أهل الشام ليتنازلوا عن ثورتهم، ولكن أخطر ما يمكن أن يتعرضوا له إنما هو من الداخل، بضعضعة صفوف المجاهدين، وبالاقتتال الداخلي بينهم، وبتخلي بعضهم عن جبهات القتال والمواجهة، ونصرة بعضهم بعضاً لقاء حفنات من دعم موهوم، فتذهب ريحهم وتزداد خسائرهم. ونحن نناشدهم، أن الحذر الحذر من كل المخذلين والمتخاذلين؛ من الأصدقاء المزعومين قبل الأعداء المعروفين، فقد رأيتم بأم أعينكم صبر أهل الشام وأهل حلب بالذات، على القصف والتدمير والقتل والحرق والجوع والحصار، ولم يطلبوا النصر إلا من الله العزيز الجبار. فلا تضيعوا صبرَهم وتضحياتِهم بخذلانكم لهم، واعلموا أن الموت والجوع والتشريد قضاء من الله سبحانه وتعالى، والصبر عليه والثبات في ميادين القتال والمواجهة يلقي الوهن والخوف والهزيمة في قلوب أعدائكم. واعلموا أن النظام قد قارب على السقوط، ولو أسندته أمريكا بإيران وحزبها في لبنان وبروسيا وتركيا ثم مصر، ثم بالقادم من عملائها، ورهانهم على كسر إرادة الأمة وخصوصا في الشام. ولما أدركوا أن مطلبهم بعيدُ المنال، وأن معنويات الثائرين في أحسن حال، ذهب النوم من عيونهم وأشتعل الشيب في رؤوسهم، وتحيروا في فهم الأسباب، وحارت منهم الألباب، وغابت عنهم الحقائق، وزاغت أبصارهم عن السنن، فالله مولانا، ومن مولاه جبار السماء فكيف يُغلب؟

أيها الثائرون المجاهدون في الشام: لا تفاوضوا، ولا تعاهدوا، ولا تساوموا على قطرة دم واحدة، فأنتم من اختاركم الله لتكونوا رأس الحربة، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون، واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرا. وتمثلوا قول الله عز وجل عند اشتداد المحن: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}. فاللهم ثبت أهلنا في الشام، وارفع الظلم عنهم والعدوان، وأيدهم بنصرك، واجمع صفوف المجاهدين، ووحد كلمتهم على نصرة دينك، وإعلاء راية الحق، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.