الأربعاء، 25 ربيع الأول 1439هـ الموافق 2017/12/13م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "مظاهرُ جاهليةٌ يجبُ أن تختفي!"

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 07 رمضان المبارك 1438هـ الموافق 02 حزيران/يونيو 2017م

 

 

 

 

 

 

الجمعة 7 رمضان 1438هـ

2017/6/2م

مظاهرُ جاهليةٌ يجبُ أن تختفي

(الخطبة الأولى) أيها الناس: جاء في كتاب عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لأبي بكر بن العربي المالكي بسند صحيح عن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ اللهَ أَمَرَ يحيى بنَ زكريا بخمسِ كلماتٍ أن يعملَ بها، ويَأْمُرَ بَنِي إسرائيلَ أن يَعملوا بها، وإنه كادَ أن يُبطِئَ بها، قال عيسَى: إنَّ اللهَ أَمَرَكَ بخمسِ كلماتٍ لِتَعملَ بها، وتَأْمُرَ بَنِي إسرائيلَ أن يَعملوا بها، فإمَّا أن تَأْمُرَهم وإمَّا أن آمُرَهُم، فقال يحيى: أَخشَى إن سَبَقْتَني بها أن يُخسفَ بي أو أُعذَّبَ. فجَمَعَ الناسَ في بيتِ المقدسِ، فامتلأَ المسجدُ وقعدوا على الشُّرَفِ فقال: إنَّ اللهَ أَمَرَني بخمسِ كلماتٍ أن أَعملَ بهنَّ وآمرَكَم أن تَعملوا بهنَّ، أولُهنَّ: أن تَعبدوا اللهَ ولا تُشركوا به شيئًا، وإنَّ مثلَ من أَشركَ باللهِ كمثلِ رجلٍ اشترَى عبدًا من خالصِ مالِه بذهبٍ أو وَرِقٍ، فقال: هذه داري، وهذا عَمَلي، فاعْمَلْ وأَدِّ إليَّ. فكان يَعملُ ويُؤَدِّي إلى غيرِ سيدِه، فأيُّكم يَرضَى أن يكونَ عبدُه كذلك؟ وإنَّ اللهَ أَمَرَكُم بالصلاةِ، فإذا صلَّيتم فلا تلتفِتُوا، فإنَّ اللهَ يَنصبُ وجهَهُ لوجهِ عبدِه في صلاتِه ما لم يلتفتْ. وأَمَرَكَم بالصيامِ، فإنَّ مثلَ ذلك كمثلِ رجلٍ في عصابةٍ معه صُرَّةٌ فيها مِسْكٌ، فكلُّهم يُعجَبُ أو يُعجِبُه ريحُها، وإنَّ ريحَ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ من ريحِ المِسْكِ. وأَمَرَكم بالصدقةِ، فإنَّ مثلَ ذلك كمثلِ رجلٍ أَسَرَهُ العَدُوُّ فأوثَقُوا يدَهُ إلى عُنقِهِ، وقَدَّموهُ ليَضرِبوا عنقَهُ فقال: أنا أَفديهِ منكم بالقليلِ والكثيرِ، فَفَدَى نفسَهُ منهم. وأَمَرَكم أن تَذْكُروا اللهَ، فإنَّ مثلَ ذلك كمثلِ رجلٍ خرج العَدُوُّ في أَثَرِهِ سِراعًا، حتى إذا أَتَى على حِصْنٍ حصينٍ، فَأَحْرَزَ نفسَه منهم، كذلك العبدُ لا يُحرِزُ نفسَه من الشيطانِ إلا بِذِكْرِ اللهِ. قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأنا آمُرُكُم بخمسٍ، اللهُ أَمَرَني بهنَّ: السمعُ والطاعةُ والجهادُ والهجرةُ والجماعةُ، فإنه من فارقَ الجماعةَ قَيْدَ شِبْرٍ فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ من عُنقِهِ إلا أن يُراجِعَ، ومن ادَّعَى دَعْوَى الجاهليةِ فإنه من جُثَى جهنمَ، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، وإنْ صلَّى وصام؟ قال: وإنْ صلَّى وصام، فادعوا بدَعْوَى اللهِ الذي سمَّاكم المسلمينَ المؤمنينَ عبادَ اللهِ.

أيها الناس: لقد غابت الخمس التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم (السمعُ والطاعةُ والجهادُ والهجرةُ والجماعةُ)، وشاعت بكثرة مظاهر الجاهلية وانتشرت في زماننا واستطالت، بعد هدم خلافتنا وضياع سلطاننا وغياب تحكيم شرع ربنا في أوطاننا، ويجب أن تختفي تلكم المظاهر الجاهلية من حياتنا مهما كلف العمل على اختفائها من تضحيات. وأشد من ذلك، فقد صار المسلمون لا يرون فيها غضاضة، فلا ينكرونها باعتبارها من عموم البلوى، ولا تعجب إن وجدت في المسلمين من لا يراها منكرات، ويقول إنها من الحريات الشخصية المقدسة التي لا يجب المساس بها! ولو عقدنا جلسة نعصف فيها أذهاننا لتعداد هذه المظاهر الجاهلية لطالت الجلسة بنا إلى ساعات وأيام، ولربما أسابيع وشهورا وأعواما، من كثرتها. ويقف على رأسها حكم الجاهلية المستبد بنا، وحكام الطاغوت الذين لا يحكموننا بشرع الله الذي أنزله على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكفى بها جاهلية أن نترك كتاب الله محضا لم يُشب، ونلتمس الهداية والفصل في قضايانا وحل مشاكلنا وفض نزاعاتنا عند اليهود والنصارى والرأسماليين والاشتراكيين والملحدين من القوم الضالين! وهذا مظهر حكمي دستوري جاهلي استخذائي يجب أن يختفي مهما كلف العمل على اختفائه من تضحيات. وأما المظهر الثاني فانفتاح بلاد المسلمين أمام كل طامع، يصول فيها الكفار المستعمرون ويجولون، ويثيرون الفتن والحروب بين المسلمين، وينهبون ثرواتهم الطائلة، ولم يكن يحدث مثل هذا في أزمنة الجاهلية الأولى. وهذا مظهر انفتاحي انهزامي مائع يجب أن يختفي مهما كلف العمل على اختفائه من تضحيات. وأما المظهر الثالث فقنوات الفضاء وبرامجها الإفسادية ومسلسلاتها الهابطة التي دخلت بيوتنا، وأوجدت بذور الفتنة والفساد الخلقي والتمرد على منظومة القيم والأخلاق التي أسست عليها الأسرة المسلمة، ما لم يحدث حتى في أزمنة الجاهلية الأولى، بل إن بعض تلك المسلسلات قد نال من ديننا وعقيدتنا ونسيج علاقاتنا وذروة سنام إسلامنا. وهذا مظهر إفسادي خلاعي مدمر لقيمنا الإسلامية يجب أن يختفي مهما كلف العمل على اختفائه من تضحيات. والمظهر الرابع يتمثل في الفقر المدقع الذي عم ديار المسلمين رغم كثرة الثروات، ولا يخفى عليكم ما يحدثه الفقر من آفات بدنية ونفسية وخلقية تهبط بالإنسان عن مستويات الكرامة اللائقة به. وهذا مظهر مخل بكرامة الإنسان يجب أن يختفي مهما كلف العمل على اختفائه من تضحيات. والمظهر الخامس هو الجهل الذي عم الأمة الإسلامية وأفقدها أعظم خاصية من خصائصها وهو القراءة والعلم، وهو أمة أقرا واعلم، حتى أصبح عموم المسلمين من ذوي الإعاقة المعلوماتية، وحصيلتهم من ثقافتهم الدينية واللغوية والتاريخية والجغرافية وغيرها سطحية ضحلة بعد أن عميقة وغزيرة، ما لم يحصل مثله في تاريخ المسلمين، بل لم يحصل بعضه في أزمنة الجاهلية الأولى. وهذا مظهر تجهيلي تخلفي يجب أن يختفي مهما كلف العمل على اختفائه من تضحيات.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن هذه المظاهر الجاهلية الخمسة ليست نهاية المطاف فيما انتشر بين المسلمين وشاع واستفحل، بل إن هناك مظاهر جاهلية نشهدها في كل آونة وحين في شوارعنا وأماكن تجمعاتنا لا تليق أبدا بخير أمة أخرجت للناس، وعاقبتها خزي في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة. نسرد طرفا منها لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد لنعمل على إخفاء هذه المظاهر مهما كلف اخفاؤها من تضحيات. الربا بأنواعه، والمجاهرة بالإفطار، وسفور النساء في الحياة العامة، وتجول البنات بكامل الزينة أمام الرجال الأجانب في الشوارع والأزقة وأماكن التنزه وملاعب الرياضة والأسواق وغير ذلك، وما خفي كان أعظم. وتلك مظاهر جاهلية ينبغي أن تختفي مهما كلف العمل على اختفائها من تضحيات.

أيها الناس: أنتم مسؤولون عن هذه المظاهر الجاهلية، كل في بيته وموقعه في المجتمع، وأنتم أهل ذلك وقادرون عليه، وعلى ما هو أعظم منه، العمل مع العاملين لإقامة الخلافة التي تقضي على هذه المظاهر الجاهلية. فلا يقولن أحد منكم لا أستطيع، أو لا يعنيني الأمر، أو غير ذلك من الأقوال الانهزامية المتخاذلة، فالله سبحانه وتعالى قد أثنى على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ}. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيما يرويه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (كلُّكم راعٍ ومَسؤولٌ عن رعيَّتِه، فالإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرجلُ في أهلِه راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأةُ في بيت زوجِها راعيةٌ وهي مسؤولةٌ عن رعيَّتِها، والخادمُ في مال سيده راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيته. قال فسمعتُ هؤلاء من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأحسَبُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: والرجلُ في مالِ أبيه راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتِه، فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه).

أيها الناس: نخشى على أنفسنا إن لم نعمل على إخفاء هذه المظاهر الجاهلية أن يعمنا الله بعقاب من عنده ثم ندعوه فلا يستجيب لنا، ويا لها من خسارة وقتئذ!