الأربعاء، 25 ربيع الأول 1439هـ الموافق 2017/12/13م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "وجاءت العشر الأواخر!"

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 21 رمضان المبارك 1438هـ الموافق 16 حزيران/يونيو 2017م

 

 

 

 

الجمعة 21 رمضان 1438هـ

2017/6/16م

وجاءت العشر الأواخر

 

(الخطبة الأولى) أيها الناس: أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة أم المؤمنين - واللفظ لمسلم - قالت: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، إذا دخل العشرُ ، أحيا الليلَ وأيقظ أهلَه وجدَّ وشدَّ المِئزَرَ .وفي صحيح ابن خزيمة: ثم لم يأتِ فِراشَه حتى يَنْسَلِخَ، أي حتى ينتهي الشهر. والْعَشرُ الأَواخِرُ مِن رمضانَ هِي خيرُ لِيالي السَّنةِ؛ فيها ليلةُ القدْرِ، وليلةُ القدْرِ خيرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ. وفي الحديثِ: حثُّ الرَّجلِ أهلَه وتَشجيعُه إيَّاهم على أداءِ النَّوافلِ والعباداتِ والقربات. وقد جاءت العشر الأواخر، فمن المسلمين من يجتهد في قيامها امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم دون ذلك، وأبواب الخير فيها مشرعة، ومسارات التنافس متاحة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. وجاءت العشر الأواخر وكثير من المسلمين يغطون في سبات عميق يحلمون بلعاعة من الدنيا ومتاعها الزائل، دون أن يقض مضاجعهم سلبها من أيديهم، وسيطرة علوج الكفار على أرضهم وديارهم وسمائهم، ودون أن يرف لهم جفن سرقة أموال المسلمين في وضح النهار، وخضوع حكام الجبر والجور لزعيم الكفر الأميركي، ودفعهم الجزية له عن يد وهم صاغرون. وجاءت العشر الأواخر، وعلماء السوء يبررون خيانة الله ورسوله والمؤمنين بطاعة ولاة الأمر المسلمين، وولاية الأمر منهم براء، بل الإسلام منهم براء. فنحن نعرف ولاة أمر المسلمين جيدا، وما حكامنا اليوم إلا نكرات في عالم ولاية الأمر، وشذوذ صارخ أبعد ما يكون عن ولاية الأمر، وبدعة من أخطر البدع التي تفشت في المسلمين عبر قرونهم الطويلة، وعلماء قصورهم من جنسهم، نكرات علمية، وشاذون فقهيون، ومفتون مبتدعون! ومن يوجب صوم الحائض، ويستحل دم المسلم وماله، ويفتي بحل الربا، ويروج للوطنية والديموقراطية، فليس بمستهجن منه أن يعين الظالم، ويلعق حذاء الكافر، ويدحض حق المؤمن. عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعان ظالمًا بباطلٍ ليدحضَ به حقًّا برِئ من ذمَّةِ اللهِ وذمَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومن أكل درهمًا من ربًا فهو مثلُ ثلاثةِ وثلاثين زنْيةً، ومن نبت لحمُه من سُحتٍ فالنَّارُ أولَى به. وجاءت العشر الأواخر، والأقصى أسير لا تشد الرحال إليه، والمسجد الحرام وشقيقه النبوي يرزحان تحت نير الضيق المذهبي الذي اختزل الإسلام، ودجنه وهابيا، وقصقصه سعوديا، ليضيق فضاؤه الواسع ويقنن على مقاس فقيه واحد وعائلة حاكمة واحدة، ولسان حالهم يقول: ليسقط باقي الفقهاء والمجتهدين، ولتسقط باقي العائلات والقبائل، فلا صوت يعلو فوق صوت الوهابيين والسعوديين، ومن خالفهم فالشك في إيمانه غير بعيد، وأمله في دخول الجنة بعيد بعيد!!!!

 

أيها الناس: وجاءت العشر الأواخر، والقتل في الشام والعراق واليمن وليبيا مستحر، وتفشي الأمراض والأوبئة مستمر، وليس الكوليرا أخطرها، بل مرض التقسيم والتجزئة، وتعدد الولاءات، وتحكم الرويبضات والمبعوثين الدوليين هو الأخطر، وهو الأفظع، وهو الحالقة.

 

أيها الناس: وجاءت العشر الأواخر، وتزداد محنة المسلمين قسوة، وتشتد عليهم وطأتها، وتستحكم حلقاتها، وتتلبد الغيوم في سمائهم نهارا، وتلفهم الظلمات الحالكة ليلا، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، كما قال الله عز وجل في محكم التنزيل: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. أجل، أيها المسلمون، هنا يكمن الحل، فلا ملجأ من الله إلا إليه، ولا حل لهذه المعضلة إلا التوبة والأوبة. فتعالوا بنا أيها الناس نلجأ إلى الله ونتوب إليه، ونعمل لإقامة شرع الله في أرض الله، فأنتم مادة التغيير والمكلفون به، وأنتم المسؤولون عن سيادة الشريعة وتطبيقها، لأنكم أنتم أصحاب السلطان. وتعالوا بنا أيتها الجيوش نلجأ إلى الله، ونخلع حكام الضرار، فأنتم أمل الأمة بعد الله في التغيير، فاقلبوا الطاولة في وجوه الطواغيت، فأنتم الفئة الأقوى والقادرون على فعل ذلك، وعليكم يقع عبء نصر أمتكم المستضعفة. وتعالوا بنا أيها العلماء نلجأ إلى الله، ونقدم للناس فقها نظيفا خاليا من شوائب التفسير والتأويل، وبعيدا عن أهواء الحكام وأسيادهم الكفار، كي ننقذ ما يمكن إنقاذه من شتات الأمة وشرذمتها وضياع ثرواتها، فأنتم ورثة الأنبياء، ومنارات الهدى.

 

(الخطبة الثانية) أيها الناس: قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ}. يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير، ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض .والبقايا هم الرجال القليلون، وهم الذين ينجيهم الله عند حلول غيره، وفجأة نقمه; ولهذا أمر تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، كما قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون). وفي الحديث: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب".

 

أيها الناس: أزفت الآزفة، وحان وقت التغيير، وطاب الموت في سبيل تحقيق نهضة هذه الأمة، وإعادة كتابة تاريخها، وإنا قد عقدنا العزم بإيمان راسخ، وإرادة لا تلين، على جعل التاريخ يكتب شيئا جديدا ناصعا عن أمتنا. حتى تعلم الأجيال الماضية أنا لم نخنهم بالغيب، وأنا على عهدهم باقون، ولتقرأ الأجيال القادمة عنا أننا أوقفنا تدحرج كرة الثلج التي تركها المهزومون تكبر وهي تتدحرج، وطوينا صفحة الهزيمة والتراجع إلى الأبد، ولتعلمن نبأه بعد حين.

 

فيا أمتي واجهي الكفر هيا، بعزمٍ فدينك دين الصمود

برغمِ الصعاب وتشويه كفرٍ، له الإنتشارُ وكلُّ الصعود

وأنت الكريمة يا أمتي، وأمة خيرٍ، رؤومٌ ولود

فهيا لنمضي بإذن العزيزِ، نعيد الخلافة عنا تذود