السبت، 18 ذو الحجة 1441هـ الموافق 2020/08/08م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "تقليد المسلمين الأعمى للشعوب المخمورة"

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 19 ذو العدة 1438هـ الموافق 11 آب/أغسطس 2017م

 

 

 

الجمعة، 19 ذو القعدة 1438ه

11/8/2017م

فاستمسك بالذي أوحي إليك

(الخطبة الأولى) أيها الناس: أفادت دراسة أجراها مركزان كبيران وطنيان للبحث في الولايات المتحدة الأميركية، ومن خلال عينة بلغ تسعة وسبعين ألف إنسان، أفادت بتنامي أعداد المتعاطين للمشروبات الكحولية المسكرة في أوساط الشعوب الأميركية. كما وأظهرت النتائج أن واحدا من كل ثمانية أشخاص عندهم مدمن على الخمرة أم الخبائث، وأن نسبة المدمنين قد ارتفعت ما بين عامي 2002 إلى 2013 إلى 49%، وأن عدد الأشخاص الذين يستهلكونها قد ارتفع إلى أكثر من 11%، وأن نسبة الخطر على حياة المدمنين قد ارتفعت إلى نحو 30%، بحيث أصبح عدد الأشخاص الذين يعرضون حياتهم للخطر بسبب الإدمان عليها قد وصل إلى 30 مليون شخص. وانعكس ذلك على مستوى الجرائم وأعداد المساجين من مختلف الأعمار. ومن المؤكد أن هذه النسب والأرقام قد ارتفعت خلال الأربع سنوات الماضية منذ إجراء ذانك الإحصاءين، لسببين: الأول استمرار خضوع الولايات المتحدة للنظام الرأسمالي العفن، والثاني زيادة أعداد السكان الطبيعية.

أيها الناس: هذه هي الدولة التي تتحكم بمصير العالم اليوم، وهذا هو شعبها! وما جيشها الذي ارتكب الفظائع في العراق وسوريا وباقي أنحاء العالم الإسلامي إلا جيش ذاك الشعب المخمور، وما السياسيون الذين يصولون ويجولون في العالم الإسلامي يملون إرادتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية على حكامنا وشعوبنا إلا من ذاك الشعب المخمور، وما الرئيس الذي يخاطب حكامنا بنبرة راعي البقر إلا رئيسا منتخبا من ذاك الشعب المخمور، وما السفارات المنتشرة في طول البلاد الإسلامية وعرضها إلا ممثليات لذاك الشعب المخمور، وما القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في مواقع هامة في بلاد المسلمين وتشكل منصات دموية لقتل المسلمين إلا قواعد لذاك الشعب المخمور.

أيها الناس: ليست الشعوب الروسية أو الأوروبية بأحسن حالا من الشعوب الأميركية، فهم في الإدمان سواء، وفي شرب الخمرة شركاء، وفي قتل المسلمين وتدمير مساكنهم ونهب ثرواتهم أشقاء. ولسنا نأسف على ما يصيبهم في دنياهم من نصب ولأواء، ولا على مصيرهم الأسود يوم القيامة إلى جهنم وبئس القرار، ولكننا نأسف على شعوب المسلمين الذين وقعوا تحت سلطان هؤلاء الأشرار، فاستنسخوا أخلاقهم، وشرب كثير من المسلمين الخمر كما شربها الأميركيون وغيرهم من الكفار، وارتفعت إحصاءات المدمنين في أوساط المسلمين، وزادت نسب تاركي الصلاة والمجاهرين بالإفطار في رمضان، وتفككت الأسر المسلمة وازدادت فيها المشاكل وحالات الطلاق، وقفزت إحصاءات جرائم سفك الدماء وما دونها من جرائم إلى أرقام فلكية لم يسجل لها تاريخ المسلمين مثيلا. هذا هو الأمر المؤسف، والذي تتفطر من هوله الأكباد وتنخلع القلوب التي في الصدور! من كان يتوقع أن يقف العمل بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ). ومن كان يتخيل رؤية نساء المسلمين كاسيات عاريات في الحياة العامة، بحيث يصعب على الناظر إليهن الجزم بأنهن مسلمات لا كافرات؟ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، وذكر النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). ومن خطر على باله يوما أن ينخر الربا كل جيب من جيوب المسلمين، ويتطاير غباره ليزكم برائحته كل خشم من الخشوم في بلاد المسلمين؟ كيف لا؟ وهو الحرب من الله ورسوله، خاب وخسر كل من كان الطرف الآخر في هذه الحرب! قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).

أيها الناس: لو أردنا أن نستفيض في سرد أوجه تقليد المسلمين الأعمى للشعوب المخمورة لما وسعنا مقام كهذا، ولكن القليل المذكور يغني عن الكثير المستور، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول فيما رواه مسلمعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال فمن؟ وعلق أحد العلماء على هذا الحديث فقال: والواجب على المسلم أن يلتزم شرع الله تعالى، وأن يتبع سبيل المؤمنين، ويترك مشابهة الكافرين، وأن يعلن الولاء للإسلام وأهله، وأن يتبرأ من الكفر وأهله.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: كيف لنا أن نتبع سبيل المؤمنين، ونترك مشابهة الكافرين؟ وكيف لنا أن نعلن الولاء للإسلام وأهل، ونتبرأ من الكفر وأهله؟ تلك هي المعضلة التي تستحق كل عناية واهتمام، بل يجب أن تتصدر قائمة أعمالنا في زماننا الذي غاب فيه حكم الإسلام، وظهر فيه حكم الكفر، وباض فيه الشيطان وفرّخ. وما كان ذلك ليكون لولا انهيار النظام السياسي الإسلامي بهدم دولة الخلافة الإسلامية العثمانية قبل نحو قرن من الزمان. فكان ذلك اليوم حدا فاصلا بين مقارعة الكفار والمفاصلة معهم، وبين اتباع سننهم والركون إليهم، ومنعطفا حادا في حياة المسلمين حيث جرفهم بعده طوفان الرأسمالية العفنة، والذي جلب علينا أخلاقهم الفاسدة، وإدمانهم على شرب الخمور والسفور والربا والخنا، وطمس معالم التدين من خلال حكام أشرار طبقوا علينا مناهج شريرة، وأجبرونا على العيش وفق أنماط حياة خالية من الفضيلة وتقوى الله، فانقطع الاتصال مع الله، وجفت ينابيع الرحمة والنصر، وسلط الله علينا بذنوبنا من لا يخافه ولا يرحمنا.وكفى بنا خزيا أن نعطي الدنية في ديننا، ليتحكم في مصير خير أمة أخرجت للناس حفنة من المخمورين وثلة من أكابر المجرمين! ولقد أنف حاكم كوريا الشمالية وشعبه الوثنيون أن يخضعوا لأولئكم المخمورين، وتحدوهم بحرقهم وتدميرهم، ولو كان في ذلك تدمير كوريا وحرقها، ولسان حالهم يقول: عليّ وعلى أعدائي. فكيف بنا ونحن مسلمون موحدون؟ أليس حريا بنا أن نكون الطليعة في تحدي الباطل، ونحن أتباع الحق؟ بلى، والله سبحانه وتعالى يقول: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}.

أيها الناس: لا يرفع هذا البأس عنا إلا بوصل ما انقطع، ورأب ما تصدع، وصدق الله عز وجل حيث يقول: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ}. فإلى الاستمساك بالذي أوحي إلى إمام الهدى أدعوكم أيها المسلمون، وأقصر الطرق إليه هي العمل مع العاملين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، ففيها تكمن المفاصلة مع الكافرين، وبها يتحقق رضا الله رب العالمين، وبوجودها يعم الأمن والأمان ربوع المسلمين، وهذا وعد صادق من رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. فاللهم نصرك الذي وعدت.