السبت، 22 جمادى الأولى 1441هـ الموافق 2020/01/18م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "البطر والأشر في الأيام والليالي العشر"

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 03 ذو الحجة 1438هـ الموافق 25 آب/أغسطس2017م

 

الجمعة، 3 ذو الحجة 1438ه

25/8/2017م

البطر والأشر في الأيام والليالي العشر

 

(الخطبة الأولى) أيها الناس:روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر ‏قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج ‏بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء".‏ أجل، أيها المسلمون، فإن العشر الأول من ذي الحجة هي من مواسم الطّاعة العظيمة، وهي التي فضّلها الله تعالى على سائر أيام العام، وهي الأيام والليالي التي أقسم الله بها لعظيم أمرها، وأمر فيها بكثرة التسبيح التهليل والتكبير والتحميد، وفيها يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وفيها يوم عرفة وهو الركن الأعظم من أركان الحج الذي لا يتم الحج إلا به، وهو خير يوم طلعت فيه الشمس، وفيها صيام يوم عرفة لغير الحاج، ليكفر سنتين، ماضية ومستقبلة، وفيه ليلة مزدلفة، والمبيت بها واجب، وتسمى جَمْع والمشعر الحرام، وفيها رمي جمرة العقبة إرغاما للشيطان، وفيها يوم النحر وذبح الهدي والأضاحي، وفيها تمام المناسك بالمبيت بمزدلفة وطواف الإفاضة ليرجع الحاج كيوم ولدته أمه. والهدي النبوي لنا في هذه الأيام والليالي العشر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم يريدنا أن نجتهد في الأعمال الصالحة فيها، ويريدنا أن نقضي أيامها ولياليها في طاعة الله عز وجل، مبتعدين كل البعد عن معصيته والأعمال التي تغضب وجهه الكريم، وتستجلب سخطه العظيم. يريدنا أننصوم هذه الأيام المباركات أو بعضها لفضلها وعظيم أجرها. وأن نغتنمها بالأعمال الصالحة من بر وصلة رحم، وصدقة وذكر لله تعالى، وكثرة للنوافل، وقراءة للقرآن بتدبر وخشوع، وصلاة وسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وكثرة في الدعاء إلى الله عز وجل بأن يعز الإسلام والمسلمين، ويذل الشرك والمشركين، وينصر المجاهدين والمستضعفين، والمبالغة في التوسل إلى الله القوي العزيز بأن يجعل الدائرة تدور على أعدائنا المجرمين، وأن يبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وأن يحفظ حجاج بيت الله الحرام من كل سوء ومكروه، وأن يعيدهم إلى ذويهم وديارهم سالمين غانمين مغفوري الذنوب، مرزوقين بحج مبرور وسعي مشكور وتجارة لن تبور، وغير ذلك كثير من فعل الفضائل، والبعد عن الرذائل.

 

أيها الناس: بهذه الأعمال وأمثالها يجب علينا أن نستقبل الأيام والليالي العشر، لا بالبطر والأشر، والغناء والشغب والمرح. جاء في لسان العرب: الأَشَرُ: المَرَح، والأَشَرُ: البَطَرُ.وأَشِرَ الرجلُ، يَأْشَرُ أَشَراً، فهو أَشِرٌ وأَشُرٌ، وأَشْرانُ: مَرِحَ. وفي حديث الزكاة وذكر الخيل: ورجلٌ اتَّخَذَها أَشَراً ومَرَحاً؛ وقيل في الأشر: إنه أَشَدُّ البَطَر. ومنه قوله تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ}. ولا يجوز لأبناء خير أمة أخرجت للناس أن تستقبل الأيام والليالي العشر بالبطر والأشر، والحفلات المختلطة، والسفور والتبرج وكشف العورات في الأماكن العامة. ولا يجوز لنا أن نسكت في هذه الأيام والليالي المباركة على منكرات فظيعة ترتكب بحق الإسلام والمسلمين، من قتل لأبنائهم، وتدمير لمساكنهم، وتهجير قسري من بيوتهم وأراضيهم، واعتقال تعسفي دون جريمة أو جريرة، ومنع لكلمة الحق، وإخفاء لأدلة الجرائم التي ارتكبها الحكام وأعوانهم ضد الناس، ومحو آلاف المواد التي توثق تلك الجرائم. ولا يحق لنا أن نغمض أعيننا عن جرائم الحكام بحق القرآن والسنة، ومحاولاتهم اليائسة لإخراج الناس من دين الله أفواجا، ولا أن نسكت على تقسيم بلاد المسلمين واحتلال بعضها وتدنيس مقدساتها، والتلاعب بمقدراتها وثرواتها، واستغلال مواسم الحج لأكل أموال الناس بالاحتيال والباطل. فإننا وإن فعلنا ذلك طيلة أيام السنة، وظلمنا أنفسنا، فقد فتح الله لنا بابا واسعا للتوبة والأوبة والرجوع إلى الحق، وأعطانا فرصة الأيام والليال العشر، لنجدد فيها العزم على ترك البطر والأشر، وإرغام الشيطان وإبطال كيده، والتشمير عن ساعد الجد لتدارك ما فات من السوء، والإقبال على أعمال الخير والبر، والتخلص من أدران المعاصي والآثام، ولننطلق بعد هذه الأيام والليالي لفتح صفحة جديدة مليئة بالهمة والحيوية في دين الله، ومفعمة بالإخبات إلى ربنا وخالقنا ورازقنا، طلبا لمرضاته، وطمعا في مغفرته واستمطارا لشآبيب رحمته ونصره.

 

(الخطبة الثانية) أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}، قال الحسن البصري في قوله‏:‏ ‏{فاذكروني أذكركم}:‏ اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكرْكم فيما أوجبت لكم على نفسي.‏ وفي الصحيح‏:‏ ‏(يقول اللّه تعالى: مَن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومَن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)‏ وعن أنَس قال‏:‏ قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(قال اللّه عزّ وجلّ يا بن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال في ملأ خير منه - وإن دنوت مني شبراً دنوتُ منك ذراعاً، وإن دنوت مني ذراعاً دنوت منك باعاً، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولةً‏)‏ "‏أخرجه البخاري من حديث قتادة، ورواه الإمام أحمد عن أنَس بن مالك‏"‏. وهذا دليل صريح على وجوب حمل الدعوة الإسلامية لإعلاء ذكر الله في الأرض، وأنه من أفضل الأعمال وأعظم القربات. ولا عجب، فبه يقام الدين، وتحفظ بيضة المسلمين، ويحمل الإسلام إلى العالمين. فالذين يصدعون بالدعوة إلى الله ويجهرون بها ويذكرون الله أمام الملأ تحديا للطواغيت من الحكام وأعوانهم الذين لا يريدين علوا لهذا الدين ولا رفعة، بل يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، فإن الله عز وجل يذكرهم في ملأ خير من ملأ الأرض، ويرفع لهم ذكرهم ويعلي شأنهم بالاستخلاف والتمكين في الأرض والأمن. فاجعلوا من هذه الأيام المباركة العظيمة منعطفا في حياتكم، ومنطلقا للعمل مع العاملين لإقامة هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة. وعندما يكرمنا الله بإقامتها، فإن أمتنا ستملك أمرها، وستحل قضاياها بما يرضي ربها، وستحسم قضية العراق والشام وليبيا واليمن والأقصى وفلسطين وباقي قضايا المسلمين بقوة وشجاعة وجدية، وستنسي الكفار المستعمرين وساوس الشياطين. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.