الخميس، 06 ذو القعدة 1439هـ الموافق 2018/07/19م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "لستم مخولين!"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 09 جمادى الأولى 1439هـ الموافق 26 كانون الثاني/يناير 20178م

 

 

الجمعة، 03 جمادى الأولى 1439هـ

2018/01/26م

لستم مخولين!

(الخطبة الأولى) أيها الناس: صح عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّه مَن يَعِشْ منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ مِن بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ. صدقت يا رسول الله، فقد عشنا بعدك ورأينا اختلافا كثيرا. وإن الذي يجري في عالمنا اليوم يذهب بلباب العقول، وما يجري منه في العالم الإسلامي يجعل الحليم حيران. أجل، يا رسول الله، لقد رأينا العجب العجاب بعدك! رأينا أقواما ليسوا مخولين بالحكم يحكمون، ويظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، ويكذبون على الناس بأنهم أمراء للمؤمنين وخدام للمقدسات، وأن أحكامهم تسير وفق الشريعة الإسلامية، والشريعة منها ومنهم براء. ورأينا أقواما ليسوا مخولين بإجراء المعاهدات والهدن وقيادة المفاوضات نيابة عن المسلمين يعاهدون ويهادنون ويفاوضون، ويكذبون على الناس بأن معاهداتهم قد جاءت على نسق الحديبية وصلح الرملة، ولا قياس ولا شبه، بل الحديبة والرملة بعيدة عن هذيانهم السياسي بعد المشرقين. ورأينا أقوما ليسوا مخولين بصرف الأموال العامة يصرفونها بسفه منقطع النظير، ويبددونها على ملذاتهم وحفلاتهم الماجنة وترفيه أولادهم في أوربا وغيرها من دول العالم. بل ويهربونها إلى الخارج ويغسلونها ويبيضونها، ووجوههم مسودة لا يبيضها تصريح الكاذب ولا تملق المنافق. وأكبر من ذلك رأيناهم وهم يدفعون أموال المسلمين الطائلة لدول الكفر رشوة من أجل بقائهم في السلطة ذات الكراسي المعوجة. ورأينا أقواما ليسوا مخولين بالإفتاء يفتون على ذهب المعز وسيفه وهوى النفوس وحقدها الملحاح، حتى ضاع الفقه السوي، واندثر الاجتهاد القوي تحت أقدام غزاة العلم الجدد، واستبدلوا بالأدلة القطعية أدلة ظنية من استحسان واستقباح واستصلاح واستفساد وسد ذرائع ما أنزل الله بها من سلطان. ورأينا أقواما ليسوا مخولين بالرعاية يتصدرون لها تحت شعارات اللجان التي ترقع فساد الأنظمة وتطيل من أعمارها، وتغطي على عيوبها في الرعاية. ورأينا أقواما ليسوا مخولين بالقتال يقاتلون، لم يُعدوا للقتال عدته، لم يرهبوا عدوا، بل صاروا هم الإرهابيين. ورأينا الجيوش المدربة القادرة على القتال مشلولة معطلة، وعلى الجبهات الخاطئة مقاتلة. ورأينا أقواما ليسوا مخولين بإقامة دولة إسلامية يعلنون قيامها لغوا وعدوا، وأساؤا أكثر مما أحسنوا، وتبخروا من دولتهم المزعومة وأرضهم وديارهم فلا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا. ورأينا أقواما ليسوا مخولين بالقضاء بين الناس يقضون، ويتلاعبون بأحكام الله التي نزلت من فوق سبع سماوات، ويقولون إن أقضيتهم مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، وإنهم والله لكاذبون. ورأينا أقواما ليسوا مخولين بالتكفير يخرجون المؤمنين من الملة دون رادع أو وازع، وما فقهوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أيُّما امرئٍ قالَ لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بِها أحدُهما، إن كانَ كما قالَ، وإلَّا رجعَت عليهِ. ورأينا ورأينا ورأينا ويضيق المقام عن ذكر ما رأينا، ولكنا والله رأينا ما لم يره الأولون، ولم يكن يخطر ببالهم، فصبر جميل والله المستعان.

أيها الناس: هل كان يخطر ببال الأولين أن يقتتل المسلمون فيما بينهم، ويغيرون على بعض بمختلف أنواع الأسلحة، يدمرون بيوتهم فوق رؤوسهم، ويشردونهم في أصقاع الأرض، ويجيعونهم ويتسببون في انتشار الأوبئة فيهم لتجهز على ما تبقى منهم، ويتبجحون بأنهم أصحاب حزم وحملة أغصان زيتون؟ وهل كان يخطر ببال الأولين أن تنكشف عورات نساء المسلمن، ويتعاطون الخمور رجالا ونساءً، ويأكلون الربا أضعافا مضاعفة؟ هل كان يتصور محمد الفاتح وجيشه - نعم الأمير ونعم الجيش - أن تصبح تركيا منطلقا لقتل المسلمين الآمنين، بحجة المحافظة على حدود وهمية، فبئس الأمير وبئس الجيش؟ وهل كان يخطر ببال موسى بن نصير وعقبة بن نافع وطارق بن زياد أن يؤول حال بلاد المغرب الإسلامي إلى ما هي عليه اليوم؟ أم هل راود صلاح الدين يوما شعور، أو خطر له خاطر بأن المسجد الأقصى سيقع فريسة تتناوشه ذئاب الرأسمالية وثعالب الصهيونية وفئران الوطنية، ليتركوه أسيرا حزينا يبكي على ما أصابه، وتتفتت أكباد محبيه وعماره على هجران المسلمين له دون تحرير أو شد رحال أو إعمار؟ كلا، والذي رفع السماء بلا عمد ترونها، إن بطن الأرض خير من ظهرها إن رضينا وركنا. فاللهم أهلك من خان العهد وبدل، واخذل من خذل المسلمين العزل، وارزقنا خليفة يخلصنا من هذا الوضع الأرذل.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد آن الأوان لنقول لهؤلاء المتطفلين: مكانكم أنتم وشركاؤكم فلستم مخولين! إرفعوا أيديكم عن قضايا المسلمين، فقد ضقنا بكم ذرعا، ونفد صبرنا عليكم، وطفح الكيل، وبلغ السيل الزبى، فلا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيكم إن لم تسمعوها، والويل لكم إن لم تعملوا بها. فيا أيها العابثون بقضية فلسطين كفى، اتركوها ولا تزيدوها وبالا فوق وبالها! أيتها السلطة الخائبة ارجعي من حيث أتيت، واتركي ترامب يموت كمدا، ولا تكترثوا بتهديداته بقطع المال السياسي القذر عنكم، فقد أكلتموه زقوما قطع أمعاءكم. ويا أيتها التنظيمات الفلسطينية القاصرة عن الوفاء بأدنى استحقاق للقضية: عودوا وتعلموا فنون السياسة والمقاومة ثم تفكروا، فلستم على قدر القضية. وكلمة عابرة أوجهها إلى من يسمون أنفسهم أعضاء "كنيست" عرب، أنقذوا أنفسكم من هذا الذل وهذه المهانة، واحفظوا كرامتكم، ولا تغالطوا حقائق التاريخ، ولا تكونوا مطية لكل راكب، فأنتم في المكان الخطأ ولستم مخولين. ويا أيها المفاوضون السوريون: من خولكم صلاحية التفاوض مع روسيا القاتلة، وأميركا حاضنة النظام الأسدي، وتركيا المتخاذلة عن نصرة أهل الشام وحلب وغيرها؟ عودوا من سوتشي ولا تشاركوا فيها ولا في جنيف ولا في غيرها لا منفردين ولا مجتمعين. ونقول لأردوغان تركيا صاحب غصن الزيتون القاتل لإدلب ودرع الفرات القاتل والخاذل لحلب: جنودك في المكان الخطأ، فأدرك نفسك قبل أن تظهر سوأتك أكثر، فتندم ولات ساعة مندم. ونقول لحكام الحجاز ونجد أصحاب عاصفة الحزم ودعاة التجديد والتغيير: أما شبع حقدكم على الإسلام والمسلمين قتلا في اليمن؟ ألم يكفكم خداعكم للمسلمين مائة عام وقد أوهمتموهم أنكم من أهل السنة وأنكم خدام الحرمين وحراس العقيدة وفرسان محاربة البدعة؟ فالحمد لله الذي كشفكم للمسلمين وأظهر نفاق علمائكم، وتلك نعمة أنعمها الله على عباده العاملين المخلصين، وعقبة كأداء أزيحت من طريق إقامة الخلافة، كما ازيحت من قبل عقبات أعظم.

أيها الناس: الرسائل كثيرة مما نحب أن نرسله إلى المتكلفين المتطفلين الذين تعاطوا مع قضايا المسلمين دون تخويل أو تفويض، بل زورا وغصبا وظلما وعدوا، وعلوا في الأرض وفسادا وإفسادا، ولكننا نكتفي بما قد ذكر لمن يريد أن يعتبر. ولعله يكون حافزا للمسلمين على العمل لخلعهم، والإصرار على بيعة إمام مخوّل بالحكم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، في دولة خلافة حقيقية راشدة ثانية على منهاج النبوة، تجمع شملهم، وتوحد صفهم، وتكون سلما لأوليائهم، وحربا على أعدائهم، ومخولة برعايتهم.