الثلاثاء، 09 ربيع الثاني 1440هـ الموافق 2018/12/18م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "تحرقي يا قلوب ألماً وكمداً!"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 07 جمادى الآخرة 1439هـ الموافق 23 شباط/فبراير 2018م

 

 

 

8 جمادى الآخر، 1439هـ

23/02/2018م

لقد أضاع الرجال رجولتهم

(الخطبة الأولى) أيها الناس:خطب العالم الجليل ابن الجوزي رحمه الله منذ ألف سنة خطبة في المسجد الأموي بدمشق أيام الغزو الصليبي الأوروبي لبلاد المسلمين.. قال فيها: (أيها الناس ما لكم نسيتم دينكم وتركتم عزتكم وقعدتم عن نصر الله فلم ينصركم؟! حسبتم أن العزة للمشرك وقد جعل الله العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، يا ويحكم! أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرأى عدو الله وعدوكم يخطر على أرضكم التي سقاها بالدماء آباؤكم، يذلكم ويستعبدكم، وكنتم سادة الدنيا؟ أما يهز قلوبكم وينمي حماسكم مرأى إخوانٍ لكم قد أحاط بهم العدو وسامهم ألوان الخسف؟! فتأكلون وتشربون وتتمتعون بلذائذ الحياة، وإخوانكم هناك يتسربلون اللهب ويخوضون النار وينامون على الجمر! يا أيها الناس: إنها قد دارت رحى الحرب ونادى منادي الجهاد وتفتحت أبواب السماء، فإن لم تكونوا من فرسان الحرب فأفسحوا الطريق للنساء يُدِرْنَ رحاها، واذهبوا فخذوا المجامر والمكاحل.. فإلى الخيول وهاكم لُجمَها وقيودَها، يا ناس أتدرون مِمَّ صنعت هذه اللجم والقيود؟ لقد صنعتها النساء من شَعرهن لأنهن لا يملكن شيئاً غيرها، هذه والله ضفائر المخدّرات (النساء المستترات في خدورهن) لم تكن تبصرها عين الشمس صيانة وحفظاً.. قطعنها لأن تاريخ الحب قد انتهى، وابتدأ تاريخ الحرب المقدسة، الحرب في سبيل الله، ثم في سبيل الدفاع عن الأرض والعرض. فإذا لم تقدروا على الخيل تقيدونها، فخذوها فاجعلوها ذوائب لكم وضفائر، إنها من شعر النساء، ألم يبق في نفوسكم شعور؟!وألقى ابن الجوزي اللجم من فوق المنبر على رؤوس الناس.. وصرخ: ميدي يا عمد المسجد، وانقضي يا رجوم، وتحرقي يا قلوب ألماً وكمداً، لقد أضاع الرجالُ رجولَتَهم).

أيها الناس: إنها نفس رسالة وخطبة ابن الجوزي نرسلها اليوم بنفس كلماتها إلى الذين ضاعت رجولتهم، ولم يبق في نفوسهم شعور من أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة والسمو والمعالي من الذين تخجل الأوراق من أن تحمل أسماءهم، وتصيب ملابسَهم المعرةُ من أبدانهم النجسة! من الذين ما عادت فيهم نخوة المعتصم ولا حمية خالد ولا رجولة طارق ولا غيرة سعد ولا دمعة صلاح الدين حزناً وكمداً على حال الأمة. إنهم الذين أصبحوا يديرون المعارك في مجلس الأمن وفي مؤتمرات القمة، أما أسلحتهم فيستعملونها في الاستعراضات العسكرية وقتل أبنائهم وإخوانهم. نعم، لقد أضاع الحكام ومعهم قادة الجيوش الإسلامية رجولتهم وحميتهم واستبدلوا بها الميداليات والنسور والأوسمة والنياشين المعلقة على أكتاف وصدور العقيد والعميد والمهيب الركن.

أيها الناس: لقد أضاع رجال الفصائل والكتائب رجولتهم عندما قاتل بعضهم بعضا وتركوا الغوطة تتشكل فيها كتائب من النساء ليدافعن عنها وعن شرفهن، لقد أضاع رجال الجيش التركي رجولتهم وهم يصبون الحمم فوق عفرين بعد أن تركوا حلب تتشحط في دمائها أطلالا تستغيث بالرجال ولا من مغيث، واليوم يتركون الغوطة تباد وتدمر وهم ينظرون. لقد أضاع رجال الجيش العراقي رجولتهم لما استأسدوا على الدواعش وقتلوهم قتل عاد وإرم، واستنوقوا وسكتوا كشواهد القبور عندما قصف مفاعلهم النووي في قلب عاصمتهم بغداد. لقد أضاع رجال الجيش الأردني رجولتهم لما استأسدوا على المدنيين في عمان، وعلى فلول المقاومين في جرش وأحرقوهم، وتراهم خاشعين من الذل أمام الذين طردوهم من المسجد الأقصى والأرض المقدسة. لقد أضاع رجال الجيش المصري رجولتهم لما استأسدوا على سكان سيناء وأذاقوهم الويلات واستعرضوا عضلاتهم العسكرية عليهم، وتقاعسوا عن نصرة أهل غزة الذين يضربون آناء الليل وأطراف النهار وعشيا وحين يُظهرون. لقد أضاع رجال الباكستان وبنغلاديش رجولتهم عندما قتلوا الطالبان وسكتوا سكوتا مطبقا على جرائم حكام أراكان ودجالي ميانمار من الرهبان الحاقدين القتلة. لقد أضاع رجال جيوش مجلس التهاون الخليجي لما استأسدوا على الحوثيين وميليشيات الهالك غير الصالح، وهم ينحنون إذلالا لقادة جيوش أميركا وغيرها من دول الكفر، ويمنحونهم القواعد العسكرية في بلاد الجزيرة ونجد والحجاز

أيها الناس: ماذا بقي من رجولة في جيوش المسلمين التي تعد بالملايين؟ لا أستثني منهما جيشا في أي بقعة من بقاع بلاد المسلمين، خابوا وخسروا إن هم لم يقلبوا الطاولة في وجوه حكامهم الخونة، ويستعيدوا رجولتهم التي سلبها منهم حكامهم.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد تحققت كلمات ابن الجوزي في الرجال كما تحققت في النساء، فالرجال في رام الله يرقصون مع النساء متوشحين الكوفية، ويهزون أكتافهم سويا بحنية، فأضاعوا رجولتهم بحجة المحافظة على التراث الشعبي الفلسطيني قبل أن يسرقه العدو منهم! وليس باقي رجال المسلمين في حال أحسن، فإن لم تنهشهم الرياضة تناوشتهم مناهج التعليم، وإن لم تخطفهم البرامج الإعلامية وأضواؤها الخادعة سحقتهم الدعوات الوطنية والانتماءات الكاذبة، وإن نجوا من ترهات العلماء وفتاواهم المضللة مزقتهم الفتن والمعارك على الجبهات الخاطئة. وتحققت كلمات ابن الجوزي في نساء الغوطة الشرقية في الشام عندما شكلن أول كتيبة نسائية من أمهات شهداء الغوطة، وتدربن على مختلف أنواع الأسلحة للدفاع عن أعراضهن وأبنائهم ومنازلهن بعد أن تخلى عن هذا العمل الرجال القادرون المدربون من المرتزقين بالمال السياسي الذي أصمهم وأعمى أبصارهم، وشتت رميهم، ومزق شملهم.

أيها الناس: لا يسعنا إلا أن نكرر ما قاله ابن الجوزي في خطبته العصماء، ميدي يا عمد المسجد وانقضي يا رجوم وتحرقي يا قلوب ألماً وكمداً، لقد أضاع الرجالُ رجولَتَهم.

أيها الناس: يجب أن نبحث عن وسيلة تعيد للرجال رجولتهم، وتضع موازين القوى في نصابها الصحيح، ولا يتأتى لنا ذلك إلا إذا عملنا لإقامة خلافتنا التي فيها عزنا ومجدنا، وبها نقيم شرع ربنا، ونقاتل أعداءنا، ونحافظ على أبنائنا وأعراضنا ومقدساتنا وأموالنا.

فاللهم رد الرجولة على رجالنا، وقو عزائم نسائنا، واجبر كسرنا، وارحم ضعفنا، وأجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.