الإثنين، 11 صَفر 1440هـ الموافق 2018/10/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

الأرض المباركة: خطبة جمعة "العنصر المفقود!"

 

 لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 09 رمضان المبارك 1439هـ الموافق 25 أيار/مايو 2018م

 


 

العنصر المفقود

(الخطبة الأولى) أيها الناس: "عمورية" مدينة حصينة في الأناضول تقع جنوبي غربي مدينة أنقرة، وتسمى اليوم (سيفلي حصار)، وكانت أمنع بلاد الروم وأحصنها، وعين النصرانية وبنكها، وأشرف عندهم من القسطنطينية! حصلت فيها أحداث عظيمة في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين للهجرة، ردًا على استغاثة امرأة من المسلمات الهاشميات الأسيرات بالخليفة المعتصم حين صاحت: وامعتصماه! فلما بلغ ذلك المعتصم، استعظمه وكبر لديه، فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك! ونهض من ساعته، وصاح في قصره: النفير النفير، ثم ركب دابته، وجمع العساكر، فجلس في دار العامة، وأحضر القضاة والعدول، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثًا لولده، وثلثًا لله تعالى، وثلثًا لمواليه". وفي خضم فتنة "بابك الخُرَّمي" وأصحابه ببلاد فارس،ودخول ملك الروم حصن "زبطرة" وقتل خيرة أهلها، واسترقاق الباقي، وأسر ألف امرأة من المسلمات، خرج المعتصم على رأس جيش عظيم، عُدّ بمئات الآلاف، قسمه المعتصم لعدة فرق، وجعل على كل واحدة منها قائدًا من خيرة قواده، فكان على المقدّمة أشناش التركيّ، وعلى الميمنة إيتاخ التركيّ، وعلى الميسرة جعفر بن دينار العربي، وعلى الساقة بغا الكبير التركي، وعلى القلب عجيفبن عنبسة الكناني، ثم أمر قواده بغزو بلاد الروم من ثلاث جهات، وسير أمامه قائده "الأفشين الأشروسني الفارسي" لكي يفتح الطريق أمام الجيش، وأمره بالاتجاه إلى أنقرة ففتحها المسلمون. واجتمعت كل العساكر بقيادة "المعتصم" عند عموريّة، وتحصن أهلها بالأبراج، وجعل المعتصم كل قائد من قواده على ناحية من أبراج المدينة، وجعل المسلمون يرمونهم بالمنجنيق، والروم يردون عليهم الضرب، والروم في منعة شديدة داخل أبراج المدينة. ودار قتال شديد انتصر فيه المسلمون بالنهاية، ودخلوا عمورية لست ليال بقين من شهر رمضان، وتم قتل نفر كثير من أهل الروم المحاربين، كان على رأسهم قائدهم "ياطس". وقد سقطت عمورية بعد معركة طويلة صعبة، استخدمت فيها أدوات الحصار الضخمة الكبيرة كالدبابات والمجانيق والسلالم والأبراج على اختلاف أشكالها وأنواعها، وذلك بعد حصار دام خمسة وخمسين يومًا. وجاء في خبر هذه الموقعة أن المعتصم قتل قرابة ثلاثين ألفًا من الروم، وأسر ثلاثين ألفاً، وسار عائدًا إلى "طرسوس" في غنائم كثيرة.وفي ذلك يقول أبو تّمام:

السّيف أصدق إنباءً من الكتب

في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف

في متونهن جلاء الشك والريب

فتح الفتوح تعالى أن يحيط به

نظمٌ من الشعر أو نثرٌ من الخطب

أجبته معلناً بالسيف منصلتاً

ولو أجبت بغير السيف لم تجب

أيها الناس: إن جميع عناصر معركة عمورية متوفرة في زماننا غير عنصر واحد، فالأسيرات يصرخن، والأسرى يموتون تحت التعذيب، والقضاة والعدول متوافرون، وقادة الجند المسلمون متوافرون عربا وعجما، والجنود متوافرون بالملايين، والروم والفرس والروس واليهود في منعة شديدة متوافرون ويسيطرون على بلاد المسلمين، والأرض هي الأرض، ورمضان هو رمضان، والفتن هي الفتن، ولدينا عشرات بل مئات من أمثال بابك الخرمي، والإسلام هو الإسلام، والكفر هو الكفر، والمكر هو المكر، والخراصون كثيرون، وأكثر منهم المخذلون والمثبطون، ومع ذلك لا تحصل المواجهة العسكرية، ولا نسمع قعقعة السلاح، ولا زئير أسود الشرى، ولا يفك قيد أسير، ولا يستجاب لصرخة أسيرة، ولا تحرر بلاد مغتصبة، ولا تطهر مقدسات مدنسة، ولا حرمة للأحياء في بيوتهم، ولا للأموات في قبورهم، ولا يثأر أحد لمعذب في الأرض، ولا يكترث أحد للاجئ مشرد، ولا لفقير جائع، ولا لمريض ضائع، ولا لعار مجهود، ولا لمظلوم مقهور، ولا لغريب مأسور، ولا لكبير متروك، ولا لذي عيال في الأرض هائم، ولا، ولا، ولا..... والقائمة طويلة طويلة. والسؤال الكبير: ما هو هذا العنصر الغائب الذي منع من تحقيق أهداف خير أمة أخرجت للناس رغم توافر باقي العناصر جميعا وأصابها بالشلل التام وعطلها؟ والجواب على هذا السؤال: إنه الإمام، إنه الخليفة، إنه أمير المؤمنين. ففي غيابه قسمت بلاد المسلمين، ونهبت ثرواتهم، وقتلوا قتل عاد وإرم! وفي غيابه احتلت البلاد واغتصب الحرائر ودنست المقدسات! وفي غيابه علا التحوتُ الوعولَ ونطق في الناس الرويبضة! وفي غيابه ظهر السفير الأمريكي في الأرض المباركة المغتصبة ديفيد فريدمان وهو يحمل لوحة للمسجد الاقصى وقد أزيلت منها قبة الصخرة ووضع مكانها الهيكل المزعوم، وفي غيابه أمنت الولايات المتحدة العواقب فأساءت الأدب مع الثقلين، وأفسدت ما بين الخافقين! وفي غيابه صار الإسلام إرهابا، والجهاد فسادا في الأرض، والشريعة تخلفا، والتقى سذاجة، والفسوق فنا وإبداعا! وفي غيابه تمادى الكفار في إساءاتهم وطغيانهم، ونالوا من المسلمين ما لم يحلموا به من قبل! ففي غياب هذا العنصر الفاعل تعطل مفعول باقي العناصر. جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خِيارُ أئِمَّتِكمُ الَّذِين تُحِبُّونَهم ويُحِبُّونَكم. ويُصلُّونَ عليكم وتُصلُّونَ عليهم. وشِرارُ أئِمَّتِكم الَّذين تُبْغِضُونَهم ويُبْغِضُونَكم وتَلْعَنُونَهم ويَلْعَنُونكم. قِيلَ: يا رسولَ اللهِ! أفلا نُنَابِذُهم بالسَّيْفِ؟ فقال: لا. ما أقاموا فِيكمُ الصَّلاةَ. وإذا رأيتُم مِن وُلاتِكم شيئًا تَكْرَهُونَه، فاكْرَهوا عمَلَه، ولا تنْزِعوا يدًا مِن طاعَةٍ. فاللهم اجمع المسلمين على إمام واحد، وانصرهم على أعدائهم، واشف صدورهم.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: أرأيتم كم هو مهم هذا العنصر المفقود من عناصر حزمة النصر والعيش الكريم؟ أرأيتم كم عانت الأمة الإسلامية من ويلات ومصائب ونكبات بسبب غياب الخلافة؟ فإقامة الدين والخلافة آكد في المسلمين اليوم من إقامة صلاة الجمعة هذه، حتى إن بعض العلماء قد جعل الجمعة من الولايات العظمى التي لا تقام إلا بإذن الإمام. جاء في العمدة للعيني: وقال ابن المنذر: مضت السنة بأن الذي يقيم الجمعة السلطان أو من قام بها بأمره، فإذا لم يكن ذلك صلَّوا الظهر. وقال الحسن البصري: أربع إلى السلطان فذكر منها الجمعة. وقال حبيب بن أبي ثابت: لا تكون الجمعة إلا بأمير وخطبة، وهو قول الأوزاعي ومحمد بن مسلمة ويحيى بن عمر المالكي، والشافعي في القديم.

أيها الناس: أبشركم بأن العمل لإقامة الخلافة ماض على قدم وساق، وإن صداه يتجلجل في أصقاع الأرض، يصخ آذان الكفار ويقض مضاجعهم، وهذا وحده كاف لتفسير الهجمة الشرسة على الأمة الإسلامية في محاولة لوقف الزحف القادم. والواجب على المسلمين أن يكونوا في صف العاملين لإعزاز الدين بإقامة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة، وشد أزرهم وإخلاص النية لله سبحانه وتعالى بالدعاء لهذه الأمة بالنصر على القوم الكافرين، فالله مولانا ولا مولى لهم، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.