الأربعاء، 03 ربيع الثاني 1440هـ الموافق 2018/12/12م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

الأرض المباركة: خطبة الجمعة "علماء السوء يبررون جرائم حكام الجبر والجور!"


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


الأرض المباركة (فلسطين)


الجمعة، 22 ربيع الأول 1440هـ الموافق 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2018م

 

 

 

خطبة بيت صفافا لشهر 11/2018م

علماء السوء يبررون جرائم حكام الجبر والجور

(الخطبة الأولى) أيها الناس: جاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذها سيف من سيوف الله، وهو خالد بن الوليد، حتى فتح الله عليهم. وكان هذا في غزوة مؤتة، وكان عمر الدولة الإسلامية وقتئذ ثمانية أعوام فقط! وهي من أشهر الغزوات التي غزاها المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقصة الغزوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل الحارث بن عمير الأزدي إلى عظيم بصرى، فاستوقفه شرحبيل الغساني عامل القيصر على أرض البلقاء الواقعة في بلاد الشام (الأردن اليوم)، فربطه وقتله. ولما بلغ هذا الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، غضب غضباً شديداً، وجهز جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل، لم يجتمع مثله إلا في معركة الخندق. وضع الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم على رأس الجيش زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، وإن قتل عبد الله اختار المسلمون قائداً عليهم. وعقد لهم اللواء الأبيض، وأوصاهم قائلا: (اغزوا بسم الله، في سبيل الله، مَنْ كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة، ولا كبيراً فانياً، ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقطعوا نخلاً ولا شجرة، ولا تهدموا بناء). وصل المسلمون إلى مدينة مؤتة، ووصل جيش الروم والغساسنة بعدد يصل إلى المئتي ألف مقاتل تقريباً، وبدأت المعركة التاريخية، وكان وقعها شديداً جداً، وأحداثها ضخمة، وبسبب الفرق العددي الكبير لصالح جيش الروم، كان القتال شديداً على المسلمين، ولكن الروم تفاجأوا من الروح المعنوية المرتفعة لدى المسلمين إلى درجة أنهم هم من بدأ بالقتال وليس الروم. قتل عدد كبير من جيش الروم، واستشهد قائد المسلمين الأول زيد، ثم استلم جعفر فاستشهد أيضاً، ثم استلم عبد الله فاستشهد، فاختار المسلمون الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه لقيادة الجيش، والذي وضع خطة انسحاب ضخمة جداً، أبهرت العالم وأظهرته كقائد عسكري أول لا يشق له غبار، وعلى الرغم من انسحاب المسلمين إلا أن إجمالي القتلى منهم وصل إلى ثلاثة عشر مقاتلاً مسلماً فقط، أما عدد قتلى الروم فقد وصل إلى أكثر من ثلاثة آلاف وثلاثمئة مقاتل تقريباً.

أيها الناس: إن الواجبَ على المسلمين، علماء وسوقة، محبةُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وموالاتُهم، وإحسانُ الظن بهم، فإن الأصل حسن الظن بكل مسلم، فكيف بالصحابة وهم خير هذه الأمة؟ وكيف إذا كان الصحابيُّ هو القائدَ الفذ خالدَ بن الوليد رضي الله عنه؟ فكيف يجرؤ عالم من علماء السوء في المملكة السلولية الهالكة يدعى المغامسي على التطاول عليه، وهو يشبه قائد فريق التفاوض الذي قرر قتل جمال خاشقجي معصوم الدم بخالد حينما قتل مالك بن نويرة حدا لردته. قال ابن حجر الهيتمي: على أن الحق عدم قتل خالد، لأن مالكًا ارتد ورد على قومه صدقاتهم لما بلغه وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل أهل الردة، وقد اعترف أخو مالك لعمر بذلك. والذي أردى مالكًا كبره وتردده، فقد بقي للجاهلية في نفسه نصيب، وإلا لما ماطل هذه المماطلة في التبعية للقائم بأمر الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي تأدية حق بيت مال المسلمين المتمثل بالزكاة. فارتداده ووقوفه بجانب سجاح، وتفريقه إبل الصدقة على قومه، بل ومنعهم من أدائها لأبي بكر، وعدم إصاخته لنصائح أقربائه المسلمين في تمرده، كل ذلك يُدينه، ويجعل منه رجلًا أقرب إلى الكفر منه إلى الإسلام، ولو لم يكن مما يحتج به على مالك إلا منعه للزكاة لكفى ذلك مسوغًا لإدانته وقتله، وقد جاء في طبقات فحول الشعراء لابن سلام قوله: والمجمع عليه: أن خالدًا حاوره ورادَّه، وأن مالكًا سمح بالصلاة والتوى بالزكاة. ويذكر الماوردي أن الذي جعل خالدا يقوم على قتل مالك هو منعه للصدقة التي استحل بها دمه.

أيها الناس: إننا نرد على المغامسي قوله هذا، ونؤكد له خطأ ما ذهب إليه، ونعظه بواحدة أن يقوم لله ويتفكر فيما قال، ويتراجع عن تبريره لأفعال الحكام الشنيعة، وليعلم أنهم ليسوا بولاة أمر شرعيين، ولا تثبت لهم طاعة، ولا يؤخذ منهم صرف ولا عدل، ولا تقبل منهم شفاعة، ولا هم ينصرون. وندعوه للاستغفار مما قاله في حق خالد، وندعوه للاعتذار إلى المسلمين عن سوء اجتهاده وفساد قياسه، وندعوه إلى التوبة إلى الله من موالاته لحاكم لا يحكم بما أنزل الله، ولم يغز قط إلا على المسلمين، وندعوه للتبرؤ من قوله هذا ومن كل قول قاله يسهم في تثبيت أركان حكم الجور والجبر في بلاد الحرمين الشريفين، وندعوه أن ألا يلحق نفسه بالسديس والعريفي والهباش وأضرابهم من العلماء الذين يسبّحون بحمد شياطين الإنس من الحكام، فيَضلون ويُضلون، سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن أعظم بلائنا بعد حكامنا يكمن في علماء السوء الذين يبررون أعمال حكام الجور والجبر، فالأمة قد وثقت بهم لمّا قُدموا لها كمرجعيات دينية، وائتمنتهم على دينها، واعتبرت فتاواهم أحكاما من الله عز وجل، دون أن تنظر فيمن عيّنهم، ولا في طريقة اجتهادهم، وقياسهم الفاسد، ما يلبس على الناس أمر دينهم، وقد ساهم الإعلام الكاذب المضلل في ترسيخ مفهوم رجال الدين، وعقيدة فصل الدين عن الحياة، فتشكلت حالة انحطاط فقهية عند المسلمين، أداءً وفهماً، لم يشهد لها التاريخ مثيلا. فهل يؤتمن على الدين عالم يروج في تغريدة له عن فوائد سمك التونة؟ وهل يؤتمن على الدين عالم يفتي بجواز الماراثونات المختلطة مستدلا بسباق النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة؟ وهل يؤتمن على الدين عالم يسكت عن جريمة السبسي حول ميراث المرأة؟ وهل يؤتمن على الدين عالم يمدح ترامب؟ والقائمة طويلة أيها العلماء الأشاوس! وأخيرا وليس آخرا، كيف تكون لحوم أمثال أولئك العلماء مسمومة، وألسنتهم تقطر سما زعافا يسري في جسد كل مسلم من المسلمين وعقله وقلبه؟ ألا فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا، من قبل أن يأتي يوم تقوم فيه الخلافة، وعندئذ سيكون مصيرهم الحجر الفقهي حتى يصلحوا، هذا إن بقيت رؤوس بعضهم فوق أكتافهم، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ.