الثلاثاء، 15 جمادى الأولى 1440هـ الموافق 2019/01/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

الأرض المباركة: خطبة الجمعة "حان وقت تجديد دين الأمة!"


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس - الأرض المباركة (فلسطين)


الجمعة، 21 ربيع الآخر 1440هـ الموافق 28 كانون الأول/ديسمبر 2018م

 

خطبة بيت صفافا لشهر 12/2018م


حان وقت تجديد دين الأمة


(الخطبة الأولى) أيها الناس: أخرج السيوطي في الجامع الصغير وأبو داود في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ اللهَ تعالَى يَبعثُ لهذِهِ الأُمَّةِ على رأْسِ كلِّ مِائةِ سنةٍ مَنْ يُجدِّدُ لها دِينَها. قال بعض العلماء في شرح هذا الحديث: مِن رحْمةِ اللهِ بالأمَّةِ الإسْلاميَّةِ أنَّه يَتعاهدُها بوُجودِ العُلماءِ أو الحُكَّامِ، الَّذين يَنشرون الدِّين كما كان على عهْدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وصَحابتِه رضِيَ اللهُ عنهم. وفي هذا الحَديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ يَبعَثُ"، أي: يرسِلُ، ويوجِدُ ويقيِّضُ، "لهذِه الأمَّةِ"، أي: أمَّةِ المسلِمين، وقيل: للعالَمِ كلِّهِ، "على رأْسِ كلِّ مِائةِ سنَةٍ"، أي: انتِهائِها أو أوَّلِها، عندما يقِلُّ الدِّينُ وتُهجَرُ السُّنَنُ ويَكثرُ الجهْلُ والبِدَعُ، "مَن يُجدِّدُ لها دينَها"، أي: يُظهِرُ ما نُسِيَ وهُجِرَ العمَلُ بهِ من الدِّينِ، ويَنشُرُ السُّنَنَ، ويحارِبُ البِدَعَ. ولَفْظةُ "مَن" عامَّةٌ وتَقعُ على الواحِدِ والجمْعِ، وليس فيها تَخصيصُ المجدِّدينَ بأنَّهم الفُقهاءُ أو العُلماءُ فقط؛ فإنَّ انتِفاعَ الأمَّةِ بهم وإنْ كان كثيرًا فانتِفاعُهم بأُولِي الأمْرِ والحكَّامِ الصَّالِحين أمْرٌ واضِحٌ أيضًا؛ فبهِم يُحفَظُ الدِّينُ ويُبثُّ العدْلُ، كما أنَّ العلماءَ يَضبِطون أُصولَ الشَّرعِ وأدلَّتَه. وفي الحَديثِ: بيانٌ لحِفْظِ اللهِ سُبحانه وتَعالى لدِينِه. أهـ.


أيها الناس: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدقت نبوءته في التجديد وفي كل ما قال، ولم يثبت قط أن شيئا قد قاله لم يتحقق، ولا زالت الأحداث المتوالية عبر قرون المسلمين تزيدهم ثقة وإيمانا بهذا الدين العظيم، وبهذه الأمة العريقة، وأن أحدا لن يجد لسنة الله تبديلا أو تحويلا. وقد تعاقب المجددون على هذه الأمة في مجالات الحياة كلها، من الحكم والإدارة إلى الجهاد والقتال، مرورا بالمنجزات العلمية والفكرية والفقهية، ووصولا إلى الإبداعات المالية والتربوية والأخلاقية، ما يضيق مقام كهذا لذكر عشر معشارها. والذي يعنينا اليوم بعد أن اعترى أمة الإسلام خلال المائة سنة الماضية ما اعتراها من ضياع لخلافتها وانكسار لجيوشها، وفرقة غير مسبوقة بين أفرادها، وتمزق لأراضيها، وتبدل في جميع أحوالها، ما أمات السنن وأظهر البدع، حتى أن الناظر إليها يكاد يشك بأنها الأمة التي أنجبت أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز وهارون والمعتصم وسليم الأول وسليمان القانوني وغيرهم من الحكام الأفذاذ. ويكاد يشك في أنها الأمة التي أنجبت الحسن البصري وجعفر الصادق وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وابن حنبل وأمثالهم من العلماء النحارير. ويكاد يشك في أنها الأمة التي أنجبت خالدا وصلاح الدين وقطز وأمثالهم من القادة العسكريين الأبطال. ولكن شكه سرعان ما يزول ويتبدد عندما يرى أن الأمة بعد مائة سنة من انهيارها قد أنجبت مجددا لها يعمل لنهضتها من كبوتها، ويبث في عروقها دماء العمل للتغيير على أساس الإسلام ليعيد لهذه الأمة خلافتها، بعد أن يعيد لها ثقتها في دينها وقدرتها على الوقوف على قدميها رغم كثرة الضربات التي نزلت بها والمصائب التي حلت بها والنكبات، والتي لو أصابت أمة غيرها لكانت اليوم في ذمة التاريخ وقد عفا عليها الزمن.


فرحم الله الشيخ النبهاني المجدد الذي أوجد في الأمة حزبا يقود العمل السياسي والفكري فيها لإقامة الدين من جديد خلافةً على منهاج النبوة، يكشف خطط الكفار المستعمرين، ويتبنى مصالح المسلمين، ويكافح الحكام الكافرين والظالمين والفاسقين ويتصدى لإجرامهم في أنظمة حكمهم المنحرفة عن جادة الصواب. فلا يأبه بملك أو رئيس، ولا بأمير أو سلطان، ولا يداهن ماكرا، ولا تنطلي عليه حيل الخبثاء. وأهم من ذلك كله محافظته على ثوابته الدعوية محافظة تامة، ولا يمد يده في جيب أحد، ولا يرزأ أحدا في أهله ودمه، يقدم التضحيات بصمت، ويحتسب الظلم الواقع عليه عند الله، ولا يطلب العون إلا من الله. وقد بدأت هذه الدعوة تؤتي أكلها وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.


أيها الناس: لقد أحيا الشيخ المجدد في الأمة روح التحدي فانتفضت، وجدد لها قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانتعشت، وبين لها طريق الدعوة إلى الخير وهو الإسلام، بأنه لا يتم على وجهه الصحيح إلا من خلال دولة ثم جهاد، وليس العكس فاستبانت، وقد أثبتت الأيام والأحداث صدق ما تبنى. وبين للأمة فساد حكامها، وأن محاولات إصلاحهم محكوم عليها بالفشل الذريع فأيقنت أنهم الداء، وقد أثبتت الأيام والأحداث صدق ما تبنى. وبين للفصائل خطورة المال السياسي، وأنه مهلكة لها، وقد أثبتت الأيام والأحداث صدق ما تبنى، وها هي الحكومة السورية تصادر أموال قادة الفصائل بعد أن قتلتهم وفاوضتهم وأبعدتهم، ومن قبلها ومن بعدها باقي الحكومات. وبين للناس والحكام والقادة خطورة موالاة الكفار والارتماء في أحضانهم، ولا يحتاج ذلك إلى إثبات، بل تكفي زيارة ترامب لبغداد مدة ساعتين لتكشف مدى الغطرسة التي يتعامل بها مع الأذناب من حكام العراق وإيران وسوريا وغيرها.


أيها الناس: لقد تصدى شباب الدعوة لهذه البدع والمنكرات الخطرة على المسلمين، وتصدوا للشرذمة السياسية وتعدد الحكام والدويلات، كي تعود الأمة دولة واحدة يحكمها خليفة واحد تحت راية واحدة، وهذا هو التجديد الحقيقي لديننا الذي هو عصمة أمرنا. وبقيام الخلافة يقوم أمر الدين في الداخل تطبيقا، وفي الخارج حملا ودعوة وجهادا لهداية الناس ورعايتهم، وهذا هو التجديد الحقيقي لدنيانا التي فيها معاشنا، وعندما يطبق الدين ويحمل، فإن رب الدين يرضى ورسوله، وإذا تحقق رضا الله عز وجل ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك هو التجديد الحقيقي لأمر آخرتنا التي إليها معادنا. فاللَّهُمَّ أَصْلِحْ لنا دِيننا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وَأَصْلِحْ لنا دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشنا، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتِي فِيهَا مَعَادنا.


(الخطبة الثانية) أيها الناس: حري بنا ونحن نعيش قضية التجديد مع الأمة أن نقف وقفة جدية ومتأملة مع ثورات ما يسمى بالربيع العربي والانتفاضات السابقة عليه في بلاد المسلمين واللاحقة له. فنلاحظ بأنها جميعا مؤشرات على سريان دماء التغيير في عروقها، وأنه لا يؤثر فيها الفشل أو القمع، بل يزيدها إصرارا على تغيير واقعها المزري، والوصول إلى الوضع الأمثل في الحكم والحياة وهو الخلافة. وها هي الأمة في السودان قد انتفضت لتعبر عن حيويتها وقدرتها على الاستمرار في مسيرة التجديد، وسارع مدير مخابرات السيسي إلى الخرطوم لنجدة البشير المتهالك، فنقول لأهلنا في السودان: إن التغيير الذي ننشده لا بد أن يكون تغييراً جذرياً، وليس تغييراً للوجوه مع بقاء الأنظمة والسياسات الفاشلة، بل لا بد أن يكون التغيير على أساس العقيدة الإسلامية. ونقول للشباب الذين خرجوا غاضبين من ظلم النظام وفساده وسياساته الفاشلة: لا تخربوا الممتلكات العامة، ولا تعسكروا ثورتكم حتى يعسكرها الجيش. ونقول للجيش: كن في صف أمتك من أجل التغيير الجذري، وأعط النصرة للعاملين لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، لتفوز بخيري الدنيا والآخرة، وتتشبه بالأنصار الذين نصروا الحبيب محمداً صلى الله عليه وسلم فقال فيهم ربنا سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.