الإثنين، 12 ذو القعدة 1440هـ الموافق 2019/07/15م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

الأرض المباركة: خطبة الجمعة "هدم الخلافة محنة وبناؤها منحة!"


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس - الأرض المباركة (فلسطين)


الجمعة، 22 رجب المحرم 1440هـ الموافق 29 آذار/مارس 2019م

 

 

 

خطبة بيت صفافا لشهر 3/2019م
الجمعة, 22 رجب 1440 هـ | 29 مارس 2019 م
ذكرى هدم الخلافة 98

(الخطبة الأولى) أيها الناس: حلت علينا في هذا الشهر الحرام الذكرى الثامنة والتسعون لهدم الخلافة الإسلامية حاملة معها حزمة من الآلام العميقة والآمال العريضة. حلت الذكرى وأحوال المسلمين متردية لا تسر الصديق ولا تغيظ العدى. فالبلاد محتلة ومقسمة، والمقدسات مدنسة، والشباب مفتونة، والعقول مستلبة، والثروات منتهبة، وفوق ذلك كله، القتل والدمار، وفساد ذات البين. حلت الذكرى على الأرض المباركة وغزة تحت النار والحصار، والضفة تحت حكم عصابات أشرار، والداخل الفلسطيني قد أصبح غريبا في بلده تحت ما يسمى بيهودية الدولة، والقدس بلا هوية، والأقصى في خطر داهم، والجولان قربان. وليس باقي البلاد بحال أفضل، فالحكام خرفان وغلمان، وقد أصابتهم سكرة الغفلة والعمالة والخيانة والوطنية المسمومة، فأصمتهم وأعمت أبصارهم. وصدق فيهم قول الله عز وجل: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ}. قال الطبري في تفسير هذه الآية: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ هَذَا، يَعْنِي الَّذِينَ يُفْسِدُونَ وَيُقَطِّعُونَ الْأَرْحَام، الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه، فَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَته، فَسَلَبَهُمْ سمعهم، فَهُمْ مَا يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ مِنْ مَوَاعِظ اللَّه فِي تَنْزِيله. وَسَلَبَهُمْ عُقُولهمْ، فَلَا يَتَبَيَّنُونَ حُجَج اللَّه، وَلَا يَتَذَكَّرُونَ مَا يَرَوْنَ مِنْ عِبَره وَأَدِلَّته. حلت الذكرى والقرآن مهجور عند المسلمين، ومهان مدنس ومحرّق عند الكافرين، والسنة معطلة، ويعتدى على كتب الصحاح منها. حلت الذكرى والعدوان على رموز الإسلام وقاماته مستمر، وتشويه تاريخنا المجيد مستعر، وطوفان تضليل أمتنا وصرفها عن دينها يسير بقوة جارفة تخرج الناس من دين الله أفواجا بعد أن دخلوا فيه أفواجا. حلت الذكرى وما من شبر في جسد الأمة الإسلامية إلا وفيه قاعدة عسكرية معادية تضربنا، أو سفارة تتجسس علينا، أو مركز ثقافي كافر ينخر في عقول أبنائنا، أو متجر يبيع الخمور، أو مصرف ربوي يأذن بحرب من الله ورسوله، أو ملعبٌ للهو المنظم، أو إذاعة مرئية أو مسموعة تبث السموم، أو معهد يعلم الفنون والرقص والمجون، أو قصر للحكم ينفذ أوامر المستعمرين. حلت الذكرى والأرض الخصبة مسودة، والزراعة مهملة، والصناعة متخلفة، والتجارة كاسدة، والمساكن مكتظة، والبنية التحتية مهدمة بل معدومة، وأصابها ما أصاب البنية الفوقية وأكثر. حلت الذكرى والتعليم يلفظ أنفاسه الأخيرة، والجهل هو سيد الموقف، والتطبيب حكر على الأغنياء، والأمن في أدنى درجاته وأكثر من نصف المسلمين تحت خط الفقر. حلت الذكرى ونسبة الطلاق بارتفاع دائم، وإحصاءات جرائم القتل والسرقة قد سجلت أرقاما غير مسبوقة، وأعداد الجواسيس والعملاء في ازدياد. حلت الذكرى والكلمة الطيبة ممنوعة وتحارب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جريمة عليها القانون يعاقب، وحمل الدعوة يستهزأ به، والعمل لإقامة الدين تطرف وإرهاب للعالمين. حل الذكرى وبأسنا بيننا شديدا، وعواصف حزمنا على بعضنا، ووطنيتنا طاغية على إسلامنا، وقد لحق الخلل مناطق العقيدة والإيمان، وضُرب مفهوم الولاء والبراء على أيدي علماء السوء الموالين لأنظمة الجور والجبر. حلت الذكرى والخلافة اللغو المزيفة تلفظ أنفاسها الأخيرة وقد شوهت الصورة المشرقة للخلافة الحقيقية، ورزأت أربعين ألف عائلة من عوائل المسلمين بخيرة أبنائها في محرقة جهادية رهيبة، ومهزلة سياسية عز نظيرها في تاريخ المسلمين.


أيها الناس: ورغم كل تلكم النكبات والمصائب والأحوال المتردية، فقد حلت الذكرى والعاملون الجادون لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج الذين عملوا للدولة الإسلامية الأولى في عهد التشريع، أقوى من أي وقت مضى، وحلت الذكرى وقد انقضت عهود المسلمين من النبوة إلى الخلافة الراشدة الأولى على المنهاج، ثم إلى الملك العاض، وصولا إلى الملك الجبرية التي نحن فيها نعاني الويلات والأزمات، لتحمل لنا البشرى بعهد الخلافة الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، بل نحن على أبوابها إن شاء الله. وحلت الذكرى وقد انكشف عوار الرأسمالية وديموقراطيتها الزائفة، فلم يعد أحد ينبهر ببريقها الخادع. وحلت الذكرى ومعظم المسلمين يقرّون بوحشية الحكام ملوك الطوائف، وفساد تدبير دويلات الضرار الوطنية، ما يوحي بزوالها جميعا في أسرع وقت بإذن الله. وحلت الذكرى وقد استنفر الكفار ضد عودتها، وأجلبوا علينا خيلهم ورجلهم، واتخذوا جميع السبل لمنع إقامتها. وحلت الذكرى وقد دبت الخلافات العميقة بين القوى العظمى حول مصالحهم في العالم وخصوصا في الشام، ما ينذر بحروب بينهم تفسح المجال لبروز قوة الخلافة الحقيقية، كما حصل مع الروم والفرس زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وحلت الذكرى والثقة التامة حاصلة عندنا بوعد الله عز وجل، وبشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرب إقامتها. فإن لله في كل محنة منحة، ونرجو الله أن تكون المنحة بعد هذه المحن خلافةً على منهاج النبوة قبل حلول ذكراها التاسعة والتسعين.


(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد حلت علينا الذكرى وآمالها أكبر من آلامها، والبشرى بقرب إقامتها قد طغت على فاجعة هدمها، كيف لا؟ والله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ. كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}. كيف لا؟ والله سبحانه وتعالى يقول: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. كيف لا، والله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}. كيف لا، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}. كيف لا؟ والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. كيف لا؟ والله سبحانه وتعالى يقول: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. كيف لا؟ والله سبحانه وتعالى يقول: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا. إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا. وَنَرَاهُ قَرِيبًا. كيف لا؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ، ثم سكت.


أيها الناس: تلك هي آلامنا في ذكرى هدم الخلافة، وهذه هي آمالنا في ذكراها، فشمروا عن ساعد الجد للعمل مع العاملين الجادين لإقامتها، وأروا الله منكم خيرا، واعقدوا العزم على المثابرة على القيام بهذا العمل الجليل ذي الثواب العظيم. وتذكروا قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنَّ مِن ورائِكم أيَّامًا الصَّبرُ فيهنَّ مثلُ قبضٍ على الجمرِ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجرِ خمسينَ رجلًا يعمَلونَ مثلَ عملِه. قال: وزادني غيرُه - يا رسولَ اللهِ أجرُ خمسينَ منهم؟ قال: (خمسينَ منكم). قال أبو حاتمٍ: يُشبِهُ أنْ يكونَ ابنُ المبارَكِ هو الَّذي قال: وزادني غيرُه. وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ثَعلبة الخُشَني رضي الله عنه وهو من أهل بيعة الرضوان ومن الذين اعتزلوا الفتنة زمن علي رضي الله عنه ومات وهو ساجد. فاللهم ارزقنا بيعة أمير للمؤمنين عاجلا غير آجل.