الخميس، 16 ربيع الأول 1441هـ الموافق 2019/11/14م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 الأرض المباركة: خطبة الجمعة "الوقوف في وجه السرّاق!"


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)
بيت المقدس - الأرض المباركة (فلسطين)


الجمعة، 26 صفر الخير 1441هـ الموافق 25 تشرين الأول/أكتوبر 2019م

 

خطبة بيت صفافا لشهر 10/2019م
الأمة تنتفض


(الخطبة الأولى)

أيها الناس: الدِّفاعُ عنِ المالِ والنَّفسِ أمرٌ لازمٌ وثابتٌ، ودَفعُ المُعتدِي على شيءٍ مِنْ ضَرورِيَّاتِ الدِّينِ أمرٌ واجبٌ أيضًا. ولذلكَ أمرَ الشرعُ بدَفعِ الصَّائلِ والمُعتدِي دفعًا لضَررِهِ، ومنعًا لتكَرُّرِ هذا الأمرِ على الغَيرِ. وفي ذلك يُخبِر أبو هريرةَ رضي الله عنه: أنَّه جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ رجلٌ يُريدُ أَخذَ مالي؟ أي: يعتدي عليه ويَسلُبه دون وَجْه حقٍّ، فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فلا تُعطِهِ مالكَ». وهذا أمرٌ صريحٌ بالامتِناعِ عنْ إِهلاكِ المالِ بإعطائِهِ للصَّائلِ والمُعتدِي أو الظَّالمِ الذي يُحاولُ إِجبارَ الناسِ وأخْذَ أموالِهمْ، بلْ تعدَّى الأمرُ عن مجرَّدِ الامتِناعِ إلى ضرورةِ الدِّفاعِ والمُقاتَلةِ دُونَ المالِ، فقالَ الرجل: "أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلني!" أي: يُريدُ أنْ يأخذه بالقوَّة والغَصْبِ، فقالَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «قاتِلْهُ» هكذا دُوِّنَ بالأمرِ الصَّريحِ: إنْ قاتَلكَ على أَخذِ مالِكَ فقاتِلْهُ حتى تَدْفعَهُ، قالَ الرَّجلُ: "أَرأيتَ إنْ قَتلَني؟ فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فأنتَ شَهيدٌ»، أي: فأنتَ بمنزلةِ الشَّهيد ولكَ أجْرُ شهيدٍ، ولا يلزمُ منه أن يكونَ مثلَ ثوابِ شَهيدِ الحَرْبِ. "قالَ الرَّجلُ: أَرَأيْتَ إنْ قتلْتُهُ؟ فقالَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «هُوَ في النارِ» وهذا مِن التَّغليظِ والتَّخويفِ والتَّحذيرِ مِن الاعْتداءِ على أَموالِ الناسِ مَخافةَ أخذِها ظُلمًا وعُدوانًا.


أيها الناس: تعالوا بنا نطبق هذا الحوار التشريعي بين رجل من المسلمين والرسول صلى الله عليه وسلم على واقعنا المعاصر، ونرجع في التاريخ قليلا إلى الوراء وننظر إذا كنا قد تعرضنا لمواقف مشابهة، وهل جاء رجل أو رجال إلينا يريدون أن يأخذوا أموالنا، وماذا كان ردنا عليهم. في حزيران/يونيو 1896، جاء رجل يقال له ثيودور هرتزل إلى إسطنبول وحاول لقاء السلطان عبد الحميد الثاني لإقناعه بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين مقابل سداد ديون الدولة العثمانية بشكل كامل، وهذا يعني أنه قد جاء إلينا ليعطينا مالا، لا ليأخذ! ولكن الخليفة قد أدرك بفطنته أن الرجل يريد أن يأخذ من أموالنا أكثر مما يعطينا أضعافا كثيرة، فرفض العرض وقال كلاما قويا ومؤثرا جاء فيه: ... فليحتفظ اليهود بأموالهم وملايينهم، وإذا مزقت يوماً دولة الخلافة فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن؟ أجل، أيها المسلمون، هكذا يكون الرد الشرعي على من يريد أخذ أموال المسلمين، ولولا خيانة البطانة حول عبد الحميد رحمه الله، لما ضاع من فلسطين ذرة تراب واحدة، ولما ضاعت الخلافة من قبل، ولكن قدر الله وما شاء فعل. ثم تداعَى علينا الأمم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها، ولسنا نشكو من قلة في العدد والعتاد، بل نحن غُثاءٌ كغُثاء السَّيلِ، ولكن الله قد نزع من صدورِ عدوِّنا المهابةَ منا، وقذف في قلوبِنا الوهْنَ، حُبَّ الدُّنيا وكراهيةَ الموتِ.


أيها الناس: لقد كانت تلك بداية تقاطر الرجال على ديارنا لأخذ أموالنا، ولم نستطع منعهم ولا ردهم! جاء رجال الإنجليز والفرنسيون بقضهم وقضيضهم، ومعهم خونة من بيننا، فأخذوا أرضنا وأموالنا، ثم نصّبوا علينا حكاما أخذوا أموالنا لهم ولأبنائهم وأشياعهم وأسيادهم عقودا طويلة فأفقرونا، ولا يزالون يفعلون ذلك سرا وعلانية. ثم تطور الأمر إلى أن يأتي ترامب بوقاحة لا مثيل لها ويأخذ أموالا طائلة من خزائننا دون أي مقاومة، بل بالموافقة التامة من رويبضات زماننا. ولنتخيل ماذا سيقول أبو هريرة رضي الله عنه، وهو راوي الحديث، إذا اطلع على أحوالنا اليوم، ورأى ترامب يقول لسلمان وولده: أعطونا مالكم، وهما يقولان له سمعا وطاعة، خذ ما شئت من المليارات وأبقنا حكاما واحرس كراسينا، ولك مثل ما تأخذ وزيادة كلما رغبت في ذلك؟ وماذا سيقول أبو هريرة رضي الله عنه إذا رأى فلسطين قد بيعت بثمن بخس دراهم معدودة، وإذا رأى الشام قد انتقصت من أطرافها ومَنعتِ مُدْيها ودِينارَها، ورأى أهل لبنان تدور أعينهم بحثا عن أموالهم التي سرقها أمراء الطوائف فيها، ورأى العراق قد منعت قفيزَها ودِرهمَها، ورأى مصر قد منعتْ إرْدبَّها ودِينارَها، ورأى ورأى ورأى...، شهد على ذلك لحمُ أبي هريرةَ ودمُه.


أيها الناس: أرأيتم كيف أن حديثا واحدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاف ليفيق المسلمون من غفلتهم، ويقفوا في وجه كل من جاء يريد أن يأخذ أموالهم، ويقاتلوه قتالا شديدا لا يتوقف حتى يردوه على أعقابه، ويستردوا جميع ما أخذ من أموالهم، ولو استغرق تنفيذ هذا الأمر قرونا طويلة، فالأمر جد لا هزل، والمفقودات أكثر من أن تحصى، والسكوت عنها إثم ومعصية. ولذلك لا تعجبوا إن ثار المسلمون في تونس ومصر واليمن وليبيا والعراق وسوريا ولبنان وغيرها من بلاد المسلمين لاسترداد مفقوداتهم، بل شدوا على أيديهم، وأيدوهم بما تستطيعون، فأمة الإسلام أمة واحدة، وإذا اشتكى منها عضو اشتكت كلها. عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ واحِدٍ، إنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وإنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ. رواه مسلم


(الخطبة الثانية)

أيها الناس: إننا نشهد في الأمة اليوم تفعيلا أوليا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول منع الصائلين علينا من أخذ أموالنا، وهذا التفعيل الأولي له ما بعده، بل يجب أن يكون له ما بعده. ونحن لا زلنا في طور الرفض لمن أخذ أموالنا، والإنكار على من أعطاهم إياها من الحكام الأنذال، ولا بد لنا من تطوير موقفنا من الرفض والإنكار إلى العمل الجاد مع العاملين للأخذ على أيدي المفرطين، وإقصائهم عن مناصب الحكم ومحاسبتهم ومحاكمتهم، والبحث الجاد عن بديل مناسب لهم يتولى أمر المسلمين، ويقودهم بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويحكمهم بالشريعة الغراء، ويوحد بلادهم ويجمع كلمتهم في ظل خلافة حقيقية راشدة ثانية على منهاج النبوة. وليس هذا ضربا من الخيال، بل هو الحقيقة الساطعة في شريعتنا الغراء التي تأمرنا بالوقوف في وجوه الظالمين وإجبارهم على الاستقامة. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ... كلَّا واللَّهِ لتأمرنَّ بالمعروفِ ولتنهونَّ عنِ المنكرِ، ولتأخذنَّ على يديِ الظَّالمِ، ولتَأطُرُنَّهُ على الحقِّ أَطْرًا، أو لتَقصُرُنَّهُ على الحقِّ قصرًا، أو ليضربنَّ اللَّهُ بقلوبِ بعضِكم على بعضٍ، ثمَّ ليلعننَّكم كما لعنَهم (أي الذين كفروا من بني إسرائيل).


أيها الناس: إن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في زماننا لهم أجر خمسين من مثل أجر الصحابة، فلا تضنوا بجهودكم على أمتكم المنتفضة، ولا تتركوها نهبا للطامعين ومرتعا للظالمين، بل شاركوها ورشدوا انتفاضتها بالشرع، حتى تعدل طرائقها اللبنانية والمصرية والليبية والتونسية وغير ذلك، وتنتفض بالطريقة الشرعية المفضية إلى إقامة الخلافة، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.