الخميس، 05 شوال 1441هـ الموافق 2020/05/28م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

الأرض المباركة: خطبة الجمعة "مات مبارك بغير كورونا!"


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)
بيت المقدس - الأرض المباركة (فلسطين)


الجمعة، 04 رجب المحرم 1441هـ الموافق 28 شباط/فبراير 2020م

 

 

خطبة بيت صفافا لشهر 2/2020م


الموت حق وعبرة


(الخطبة الأولى) أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل وهو أصدق القائلين: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين}. ومعلوم أن كل نفس ذائقة الموت، وأن سبب الموت هو انتهاء الأجل المحتوم الذي قدره الله لكل نفس قبل أن تولد، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بِكَتْب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وسواء كان الأجل قصيرا فيموت الإنسان صغيرا، أم كان طويلا فيعمر الإنسان ما شاء الله له أن يعمر حتى يبلغ البعض من الكبر عتيا إن تجاوزوا الثمانين والتسعين والمائة من العمر، نافلة من الله عز وجل لمن يشاء من عباده، وأما أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم فما بين الستين والسبعين. وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلّغه ستين سنة، فمن يعش ستين عاما يكون قد أخذ الفرصة الكافية ليتعرف على الحياة الدنيا وزينتها، ويعقل أنها دار ممر لا دار مقر، وأنها دار فناء لا دار بقاء، وهو يرى الناس تموت تحت ناظريه، وقد خلت القرون من قبله، وجاءه النذير، وما من الموت بد. قال خباب بن الأرت رضي الله عنه: ولست أبالي حين أقتل مسلما، على أي جنب كان في الله مصرعي. وقال أحدهم: إذا لم يكن من الموت بد، فمن العار أن تموت جبانا. وقد مات خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أخبره الله عز وجل عن ذلك وهو حي قائلا: {إنك ميت وإنكم ميتون}.


أيها الناس: سيموت كل من في هذا المسجد، وسيموت كل أهل هذه البلدة، وسيموت أهل فلسطين كلهم، وسيموت العرب جميعا والعجم، وسيموت المسلمون والكفار جميعا، ولن تروا بعد مائة عام أحدا من سكان الأرض الذين بلغ عددهم اليوم ثمانية مليارات إنسان. فمن لم يمت بالكورونا مات بغيرها، تنوعت الحالات والموت واحد. وقد مات حسني مبارك قبل أيام قليلة، ذاك الطاغية الذي حكم أم الدنيا مصر بملايينها ثلاثين عاما بغير ما أنزل الله. مات خادما مطيعا للبيت الأبيض الأميركي، وعرابا لتصفية قضية فلسطين، وقد سئل يوما عن استمرار حصار غزة في عهده غير الميمون فأجاب: إن لم نحاصر غزة فلن يتحقق حل الدولتين! لا رحمك الله يا ميت العرب، ولا أكرم مثواك، ولا شُكْر لمن شيعك ومشى في جنازتك أو قدم التعازي بهلاكك أو حزن لموتك. إن أنت إلا عبد من عباد الله طغى وتجبر، وسار على خطى الفراعنة، ثم أدركه الغرق وهو يطارد المؤمنين في البر والبحر والجو، وخرجت روحه الشريرة من جسده الخبيث، ونزعها ملك الموت نزعا لتستقر بين يدي الواحد الديان الذي لا يظلم عنه أحد. وبدأ الآن السؤال يا حسني، بدأ السؤال الذي لم تعد له جوابا طيلة تسعين عاما، من ربك؟ وما دينك؟ ومن ذلك الرجل الذي بعث فيكم، وأمركم أن تحكموا بما أنزل الله في كتابه وسنة نبيه؟ ومن الذي أوصلك إلى الحكم؟ ومن الذي كان يملي لك دستورك وقوانينك التي حكمت بها؟ ومن الذي أدخل قاذورات الديموقراطية إلى رأسك، ووسوس لك بالوطنية؟ وكم شخصا قتلت بغير حق؟ وكم عالما اعتقلت وأذللت؟ وكم مسلما سجنت وعذبت؟ إنك الآن تواجه الثكالى والأرامل والأيتام الذين أجرمت بحق أبنائهن وأزواجهن وآبائهن، وإنك تواجه طوفانا من ألوان الدعاء عليك من كل من ظلمت، وأحياءً وأمواتا في المقابر أسكنت. كم مؤتمر قمة حضرت؟ وماذا قلت فيها وكررت وقررت، أنت وحسين والقذافي وابن سعود وبن علي وصالح وقابوس ممن سبقوك، وآخرون ممن لا زال في أعمارهم بقية من زمرة المارقين الطواغيت من حكام دويلات الضرار، وسيلحقون بك جبرا عنهم إلى حيث أنت الآن، إلى نفس المكان، مجردين من كل المناصب والألقاب والرتب والأموال والأولاد والحاشية، فملك الموت لا يقف في وجهه أحد، ولا يمنعه من قبض الأرواح أحد، لأنه يعمل بأمر القاهر فوق عباده. قال سبحانه وتعالى: {وهو القاهر فوق عباده، ويرسل عليكم حفظة، حتى إذا جاء أحدكم الموتُ توفته رسلنا وهم لا يفرّطون}.


أيها الناس: مات حسني، ومات قبله مرسي، وسيموت بعدهما السيء السيسي، ومن قبلهم مات السادات وعبد الناصر وملوك مصر أجمعون، وتركوا الجنات والعيون، والزروع والمقام الكريم، والنعمة التي كانوا فيها فاكهين، وأورثها الله بعدهم قوما آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض، وما كانوا منظرين. وليس المهم أنهم ماتوا، بل الأهم على أي شيء ماتوا؟ وفرق كبير بين من يموت في ساحات الوغى مجاهدا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وبين من يموت على فراشه كما يموت البعير، وفرق كبير بين من يموت مؤمنا مسلما وبين من يموت كافرا، وفرق كبير بين من يموت مقيما لحدود الله، مطبقا لشرعه، وبين من يموت معطلا لحدود الله، مطبقا لشرع غيره. {إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى. ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى. جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء من تزكى}.


(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن في الموت لعبرة، وكفى به عبرة! وأهم عبرة في الموت ألا رجعة إلى الدنيا بعده ولا فرصة، وألا إمكانية تأخير له عن وقته ولا مهلة. والعجب كل العجب أن ترى معظم الناس يقفون أمام هذه الحقيقة القطعية غافلين عنها، ومتجاهلين لهولها، كأنهم سكارى وما هم بسكارى، يسرحون ويمرحون في هذا الحياة الدنيا وكأنهم فيها مخلدون! وصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه ابن المبارك وأحمد والبزار عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن بين يدي الساعة الهرج، فقالوا: وما الهرج؟ قال: القتل، قالوا: أكثر مما نقتُل؟ إنا لنقتل كل عام أكثر من سبعين ألفا، قال: إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضا. قالوا: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: إنه لتنزع عقول أهل ذلك الزمان، ويُخلف له هباء من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء، وليسوا على شيء. قال أبو موسى: والذي نفسي بيده، ما أجد لي ولكم منها مخرجا – إن أدركتني وإياكم – إلا أن نخرج منها كما دخلنا فيها، لم نصب منها دما ولا مالا. فاللهم لا تجعلنا ممن نزعت عقولهم، ولا من الهباء من الناس الذين ليسوا على شيء، واجعلنا يا رب من العاملين لإعزاز دينك، وإقامة شرعك في أرضك. اللهم لا تحشرنا في زمرة الكافرين والظالمين والفاسقين والمنافقين، واحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم.