السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "مناشدات ورسائل"

 لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)

 بيت المقدس، 13 شعبان 1437هـ الموافق 20 أيار/مايو 2016م

 

مناشدات ورسائل

 

(الخطبة الأولى) أيها الناس: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). والإنذار: هو التحذير والإعلام المقرون بالتخويف. وشراء النفس: إنقاذها من الهلاك. والأنساب لا تنفع ولا تجدي، كما قال r: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء نسبهم من خير خلق الله محمد r. وأخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابَتْ مِنْ ‏رَسُولِ اللَّهِ، فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُ مِنْ عَدَاوَتِهِ؟ ‏قَالَ: حَضَرْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ r، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ ‏مِنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ، سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، أَوْ كَمَا ‏قَالُوا.‏ قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ r، فَأَقْبَلَ يَمْشِي، حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا ‏أَنْ مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ، قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الثَّانِيَةَ، غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي ‏وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى، ثُمَّ مَرَّ بِهِمُ الثَّالِثَةَ، فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: ‏‏«تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ»‏... وفي الحديث أنهم آذوه أذى بليغا، فداك أبي وأمي يا رسول الله.

 

أيها الناس: هاتان صورتان متقابلتان، الأولى لأحب الناس إلى رسول الله r، من آل بيته الأطهار الذين آمنوا به واتبعوه وحدبوا عليه وأحبوه، ينذرهم ويحذرهم أنه لا يغني عنهم من الله شيئا. والثانية لأبغض الناس إلى رسول الله r، من صناديد قريش، من الذين كفروا به وخاصموه وآذوه وكرهوه، يتوعدهم بالذبح. ففي الصورة الأولى رقة قلب وعاطفة جياشة وإشفاق شديد، وبيان للمؤمنين بأن أحدا لا يحمل ذنب أحد، ولو كان ذا قربى، وفي الصورة الثانية تهديد ووعيد للكافرين بأنه سيجاهدهم جهادا كبيرا، وسيقتلهم ويقطع دابرهم، وسيحطم أصنامهم، ويجعلهم سلفا ومثلا. وذلك بعد أن تدول الأيام، ويصل العز إلى منتهاه، ويصبح المقهور قاهرا، والمطلوب طالبا. وعملا بسنة المناشدة وإرسال الرسائل التي أرسى قواعدها رسول الله r وتجسدت في هاتين الصورتين، فإننا نقف اليوم على منبر رسول الله r، في وقت تزاحمت فيه الذكريات العطرة والأليمة، من مسرى رسول الله r، مرورا بذكرى هدم الخلافة العثمانية، ووصولا إلى ذكرى نكبة فلسطين، وما حل بالمسلمين فيها وفي غيرها بسبب غياب الخلافة، نقف اليوم لنوجه مناشدات ورسائل شتى إلى أمة الإسلام بشرائحها وتشكيلاتها كافة، وإلى أساطين الكفر جميعا وهم يعذبون المسلمين، ويمنعونهم من إقامة خلافتهم الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، ونقول - والله شهيد على ما سنقول - ولكن قبل أن نقول، نستغفر الله العظيم، ونتوب إلى الله العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 

(الخطبة الثانية) أيها الناس: نقول، والله شهيد على ما نقول: يا معشر المسلمين: كفاكم قعودا وإعراضا، واعملوا مع العاملين لإقامة الخلافة، فوالله لا يغني العاملون عن القاعدين من الله شيئا. ويا معشر الضباط والجنود في الجيوش الإسلامية: كفاكم تخاذلا عن نصرة إخوانكم وأمتكم، وهبوا من فوركم لنجدتهم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم. ويا معشر العلماء الأفاضل: بينوا للناس فرْضية إقامة الخلافة والحكم بما أنزل الله، وكونوا أول العاملين؟ وأديروا ظهوركم للسلطان الذي خدعكم واستقطبكم، واتخذكم جسرا يعبر عليه إلى باطله وظلمه؟ ويا معشر قادة الحركات الإسلامية وأتباعها: كفاكم تجارب فاشلة مع الحكام وأسيادهم، اتخذوا قرار طلاقهم ومفاصلتهم، فقضيتكم أكبر من الموازنات والمصالح وأعظم، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون. ويا معشر قادة الفصائل المجاهدة وأتباعها من حملة السلاح في وجوه الكافرين المستعمرين وأعوانهم الحكام الظالمين: لا تقتتلوا فيما بينكم، ولا تضعوا طلقة واحدة في غير موضعها، ولا تنسوا أهدافكم التي أعلنتموها، وحذار ثم حذار من المال السياسي القذر. ويا معشر القضاة والمحامين في أروقة محاكم المسلمين: لا تحكموا بغير ما أنزل الله، ولا تتخذوا العطاء رشوة على الدين، بل تمسكوا بالعدل والقسط. ويا معشر المثقفين والمفكرين والنخب من أبناء المسلمين: زينوا عقولكم بالثقافة الإسلامية، ولا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المسلمين، ﴿فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. ويا معشر الإعلاميين: كونوا لسان صدق لأمتكم، وانقلوا الصورة كاملة غير منقوصة حتى يكون المسلمون على بينة من أمرهم، ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا. ويا معشر المعلمين والمربين: أبناؤنا أمانة في أعناقكم، فلا تضيعوها، فاتقوا الله فينا وفيهم، ولا تخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون. ويا معشر الآباء والأمهات: لا تعقوا أبناءكم قبل أن يعقوكم، فكما تدين تدان، والعاقبة للمتقين. ويا معشر الوجهاء والمصلحين: لا تتخذوا وجاهتكم مغنما، بل ابتغوا في عملكم وجه الله، فمسؤوليتكم عظيمة، وموقعكم بين الناس خطير. ويا معشر الأغنياء وأصحاب الثروة: أبذلوا أموالكم في سبيل الله، وتمثلوا قول الله عز وجل: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. ويا معشر الشباب والشابات من طلاب المدارس والجامعات: أنتم عماد الأمة ومستقبلها، فكونوا خير خلف لمن سبقكم، فأسلافكم الذين كانوا طلابا قبل عقود قد أصبحوا حكاما مفرطين، وعملاء للكافرين بحسن نية أو بسوئها، فانظروا مواطن أقدامكم، ولا تنزلقوا منزلقهم فتهلكوا وتُهلكوا أمتكم. ويا معشر الرياضيين من أبناء المسلمين: لا تغرنكم قوة أجسامكم، فعقولكم أحق أن تقووها، ولا تصرفنكم الرياضة عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والعمل لرفعة هذه الأمة، ففوزكم ليس فوزا لها، ولكن فوزها فوز لكم، فاعتبروا.

 

وأما أنتم يا معشر أساطين الكفار المستعمرين في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، وأنتم يا معشر العملاء من حكام المسلمين في بلاد المسلمين وغير بلاد المسلمين، يا من آذيتمونا أذى بليغا: فوالله لقد جئناكم بالذبح، وإن موعدكم الخلافة التي ستمحو آثاركم، وتقطع دابركم. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.