السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "رمضان شهر الخير والنصر؟"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله) بيت المقدس،

 20 شعبان 1437هـ الموافق 27 أيار/مايو 2016م

 

رمضان شهر الخير والنصر؟

(الخطبة الأولى) أيها الناس: بعد أيام قليلة يهل علينا هلال شهر رمضان المبارك، فاتحا للمسملين آفاقا جديدة من الأمل بغفران الذنوب، وتنقية القلوب، والعمل للتغيير نحو الأفضل والأكمل. كيف لا وقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء رمضانُ فُتِحَتْ أبوابُ الجنةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النارِ، وصُفِّدَتْ الشياطينُ. وفرض صيام شهر رمضان هو ثاني أكبر عبادة في الإسلام بعد الصلوات المفروضة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وقد أرشدنا الله إلى شكره على فرضه. فقال عز وجل: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وحببه إلينا وخففه علينا، في قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾، ورحمنا ونأى بنا عن الحرج والضرر، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فلا عجب أن تُقبل قلوب المؤمنين في هذا الشهر الكريم على ربهم الرحيم، يخافونه من فوقهم، ويرجون ثوابه، ويخشون عقابه

.

أيها الناس: إن الصوم عبادة من أجلّ العبادات، وقربة من أشرف القربات، وطاعة مباركة، لها آثارها العظيمة والكثيرة، في العاجلة والآخرة، من تزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وحفظ الجوارح من الفتن والشرور، وتهذيب الأخلاق، وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة، وتكفير السيئات المهلكة، والفوز بأعلى الدرجات. والصوم عبادة متميزة، اختصها الله من بين سائر الأعمال، ففي الحديث القدسي الصحيح، يقول الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به. وكفى بذلك تنبيهاً على شرفه، وعظم موقعه عند الله عز وجل، مما يؤذن بعظم الأجر عليه، وإضافة الله تعالى الجزاء على الصيام إلى ذاته العليا تنبيه على عظم أجر الصائم. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك. والصوم عبادة الإخلاص لله وحده، فلو أصدرت دولة قانوناً بإلزام مواطنيها بالصيام، فإنها لن تستطيع تنفيذ هذا القانون عليهم أبدا، إذ يدخل الإنسان إلى بيته فيأكل ويشرب، ولا توجد قوة تراقبه، ولكن المسلم يدخل إلى بيته وحيداً، ويقفل الباب ويتوضأ، دون أن يضع في فمه قطرة ماء واحدة! والصوم قامع للشهوة، ومدعاة لاستجابة الدعاء، وسبب من أسباب تكفير الذنوب. والصوم يشفع لصاحبه يوم القيامة، وموجب لفرح الصائم في الدنيا والآخرة، كما في الصحيحين: للصائم فرحتان، فرحة عند فِطْره، وفرحة عند لقاءِ ربِّه.

أيها الناس: إن في الطاعات لمشقةً أحياناً وتكليفا، وفيها تناقض مع متطلبات جسم الإنسان، فالإنسان يحب أن يأكل إذا جاع، ويشرب إذا عطش، ويأتي شهوته إذا تهيأت أسبابها الشرعية، ولكنه يمتنع في نهار شهر الصيام عن الطعام والشراب والمباحات الأخرى، لأنه على يقين بأن مشقة الطاعات تنقضي ويبقى أجرها، وأن لذة المعاصي تنقضي ويبقى إثمها. والصوم سبب لدخول الجنة من باب الريان، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ في الجنة باباً يقال له: الرَّيان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخلُ منه أحد غيرُهم، يقال: أين الصائمون ؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغْلِق فلم يَدْخُل منه أحد. لذلك قال بعض العلماء: هذا الشهر العظيم شهر الصبر، والصبر أساس كل فلاح، وهو مع الطاعة طريق النصر. ويتجلى الصبر في الإيثار والإحسان، ومعالجة آلام الآخرين ومقاسمتهم السراء والضراء، وذوق شيء مما يجدون. فالإحساس بجوع الفقير يحفز على الإنفاق في رمضان، والصوم يكفّ النفس عن حماقاتها، ويمسك بزمامها عن اندفاعاتها، ويعينها على تقواها. قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} قال: فجعل يرددها حتى نعسْت، فقال: يا أبا ذر، لو أن الناس أخذوا بها لكفتهم. فمن يتق الله يبرأ من حوله وقوته ومن علمه، ويقف عند حدود الله فلا يقربها ولا يتعداها، ويتحرّى الحلال الذي يرضي الله عز وجل، ويحسن أداء العمل. ورمضان شهر التوبة والتدريب على التقوى، فيه تزيد الطاعات عسى أن تستمر بعده، وفيه غض البصر عسى أن يستمر بعده، وفيه متعة التجمع مع المسلمين في الصلوات ودروس العلم عسى أن تستمر بعده، وفيه ضبط اللسان عسى أن يستمر بعده، وفيه شعور بما يعانيه الفقراء والجوعى والمنكوبون وإخراج الزكوات عسى أن يستمر بعده، وفيه اهتمام بأمور المسلمين عسى أن يستمر بعده.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: هناك بعض المسلمين يعتبر شهر رمضان موسم لقاءات وسهرات وولائم وسهر لمشاهدة الأفلام والمسلسلات، وكل ما يفعلونه أنهم يحولون الأكل والشرب من النهار إلى الليل، ويحولون النوم من الليل إلى النهار، ومن كان هذا حاله، فإنه يفقد نكهة رمضان الشرعية، ويتحول عنده الشهر الفضيل إلى مناسبة إحتفالية، وشهر تراث وعادات وتقاليد لا علاقة لها بالدين والعبادة. فلا يضبطون فيه لسانا، ولا يتلون قرآنا، ولا ينفقون فيه صدقة، ولا يحكمون مع الله صلة، ولا يحرصون فيه على المحبة والتآلف، بل يزيدون من افتعال المشاكل والقسوة على الآخرين بحجة الصيام. فتكون النتيجة إثما لا مغفرة، وجوعا وعطشا من غير فائدة. وينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف بعض المنافقين حين قال: مثلهم كالناقة عقَلَها أهلُها فلا تدري لا لِمَ عُقلت ولا لِمَ أُطلقت. فهؤلاء يصومون مع الناس، ويفطرون معهم، ولكنهم لا ينتفعون من الصيام كما أراد الله عز وجل، فقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعملَ به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. ورُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.

أيها الناس: إن شهر رمضان هو شهر النصر والفتوحات، وشهر الجهاد في سبيل الله والعمل لنيل مرضاته، وهو شهرٌ يذكر المسلمين بعزتهم يوم قاتلوا في بدر وهم صائمون، فنزلت ملائكة السماء تقاتل معهم، وغشيتهم الرحمة أحاطت بهم السكينة، وانتصروا في معركة غيرت وجه التاريخ. فليكن شهر رمضان هذا العام عملا جادا لإقامة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة، وبدرا ثانية تلتحم فيه قوة السماء مع قوة الأرض ليتغير وجه التاريخ مرة ثانية، ونذوق بعدها حلاوة النصر بعد طول انقطاع. ورمضان هو شهر القيام والاعتكاف وقراءة القرآن والدعاء والتضرع إلى الله، حيث قال الله سبحانه وتعالى في ختام آيات الصوم، {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذ دعان، فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}.وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم). فلنعد أنفسنا جيدا لاستقبال شهر رمضان، فإن أحسنا استقباله نفعنا الله ببركاته.