السبت، 27 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/22م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "رمضان بين الأولين والآخرين"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله) بيت المقدس،

 05 رمضان المبارك 1437هـ الموافق 10 حزيران/يونيو 2016م 

 

الجمعة 5 رمضان، 1437هـ

10/6/2016م

رمضان بين الأولين والآخرين

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يعتبر شهر رمضان أحد الأشهر العظيمة، فهو خير أوقات السنة، وصيامه ركن من أركان الإسلام وفيه أيامٌ وليالي من خير أيام السنة وخير لياليها، ففيه العشر الأواخر، وهي الأيام التي تغفر فيها الذنوب، وتعتق فيها رقاب العباد من النار، وفيه ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر. فشهر رمضان فرصة يجب على كل مسلم حريص على رضى الله عز وجل وغفرانه أن يستغلها في العبادة والطاعة لله وحده فلا ينشغل في طعام أو شراب أو سهرات أو غيرها من الأمور التي ابتدعها الناس مما يضيع عليهم هذه الفرصة العظيمة وخيرها الوفير وأجرها العظيم. ولقد كان الأولون رضي الله عنهم يستقبلون شهر رمضان استقبالاً حافلاً مليئاً بالفرح لهذه الفرصة العظيمة والمنحة الربانية، فالصيام من العبادات التي لم يحدد لها الله عز وجل أجراً كما فعل سبحانه في العبادات الأخرى، بل جعل ثوابه عظيما مخفيا. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه). رواه البخاري ومسلم. فكان الصحابة رضوان الله عنهم يدعون الله عز وجل في الستة الأشهر التي تسبق رمضان بأن يبلغهم رمضان، وأن يعينهم على عبادته فيه، ويدعون الله عز وجل ستة أشهر فيما بعد رمضان بأن يتقبل منهم عبادتهم في ذلك الشهر، كما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستقبل رمضان بقوله:" مرحباً بمطهر ذنوبنا"، فقد كان يعلم رضي الله عنه ما لهذا الشهر من الأجر العظيم والخير الجزيل. وكان الصحابة رضوان الله عنهم يستقبلون رمضان بالدعاء وطلب الغفران من الله عز وجل، وكانوا يكثرون من الدعاء في ليالي رمضان وفي نهاره وفي السجود والقيام، فوردت عنهم رضوان الله عنهم العديد من الأدعية التي كانوا يكثرون منها في رمضان، فكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول عندما يفطر: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي"، وكان الصحابة يقومون ليل رمضان بطوله ويقرؤون القرآن في ليالي رمضان أكثر ممّا يفعلون في الأيام الأخرى، فكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يختم القرآن مرة في كل يوم، وكانوا رضي الله عنهم يَعدّون من يقرأ سورة البقرة في صلاة التراويح مُخفِّفاً، وكانوا يقومون الليل كلّه حتى إذا فرغوا من الصلاة استُعجل الخدم بالسحور من قرب أذان الفجر

.

أيها الناس: إن شهر رمضان الذي كان يهل على المتقدمين، هو عينه الذي يهل علينا معشر المتأخرين، ولكن استقبالنا له يختلف تماما عن استقبالهم، وكأننا أمة مختلفة عن أمتهم! فما أن يحل علينا الشهر أو يكاد، حتى تزدحم الأسواق، ويتسابق الناس لشراء ما يلزم وما لا يلزم من حاجيات وأغراض. ولكنّ السلف الصالح رضوان الله عليهم كان يأتيهم الشهر الكريم وليس في بيت أحدهم ربّما إلاّ التمر والماء، وكان هذا يكفيهم لأنّ الصيام هو طاعة قبل أن يكون امتناعاً عن الأكل والشرب. وكان الأولون رضيَ الله عنهم يفرحون بقدوم الشهر الفضيل لأنّهم يعلمون مضاعفة الأجور التي فيه، ولكن الآخرين يضيّعون أوقات الشهر في اللهو أو التسلية فيما ليس له طائل من رياضة ومسلسلات ومهرجانات واحتشادات تنكرية تشبها بالكفار. وكانت تصرف أوقات النهار عند الأولين في قراءة القرآن والعمل به، ومساعدة الناس، وتصرف أوقات الليل في أداء صلاة التروايح والقيام بين يدي الله. ولم يكن الشهر المبارك عند السلف الصالح شهرَ كَسَلٍ وخمول، بل كانَ شهرَ جهادٍ وعمل، فكثير من المعارك والغزوات التي خاضَها المسلمون كانت في شهرِ رمضان، وقد كتب الله لهم فيها النصر والتأييد. وأما عند الآخرين فمزيد من الانتكاسات والاقتحامات والقتل والدمار والتشريد...

أيها الناس: لقد كان الأولون يتطلعون بشوق إلى دخول الجنة من باب الريان الذي لا يدخل منه إلا الصائمون، ويحشدون طاقاتهم وهممهم لمعرفة الأحكام الشرعية والأعمال النوعية التي من شأنها أن تجعلهم في زمرة الداخلين إلى الجنة من أبوابها الثمانية. ولكن أصبح الآخرون يتطلعون بشغف إلى دخول الأسواق من أبوابها، والدَّلْفُ إلى قصور الحكام من عتباتها لتقديم الولاء المحرم لأكابر مجرميها، ودخول أماكن اللهو المحرمة والمسابقات الفارغة، واقتحام البيوت الآمنة، والانتماء إلى التنظيمات الطائفية القاتلة، وركوب الطائرات التي تلقي القنابل المدمرة والبراميل المتفجرة على المدنيين الأبرياء والمساجد والمساكن. وأمعن الآخرون في التطلع إلى دخول مؤتمرات التآمر والخيانة والمتكأت التي يعدها الكفار المجرمون لإجهاض الثورات والانتفاضات، في الرياض وجنيف والكويت وكامب ديفد وأوسلو ومدريد وأضرابها. فشتان بين مشرق ومغرب.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: لا جرم بعد ذلك أن يختلف حال الآخرين عن حال الأولين، فترى الآخرين مهزومين مأزومين، وفي كل واد من أودية السياسة والاقتصاد والاجتماع يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما يؤمرون من أميركا وبريطانيا وروسيا وفرنسا وأضرابها من أساطين الكفر والاستكبار العالمي. ولا عجب أن تراهم يتسولون طعامهم وهم أصحاب أعظم الثروات، ويستجدون الحلول لمشاكلهم وهم أصحاب الحكمة والإيمان، ويقتتلون فيما بينهم ومتفرقين، وهم الأمة الواحدة ولديهم حبل الله المتين وبأيديهم أسباب الاعتصام والوحدة والأخوة. ولسائل أن يسأل: لماذا يحصل هذا كله للمتأخرين من أبناء الأمة الإسلامية ما لم يحصل لأبنائها المتقدمين؟ والجواب على ذلك يسير على من يسره الله له، إنها الخلافة الغائبة اليوم عن المتأخرين، والتي كانت حاضرة بقوة في الأولين. ففي ظلها - منذ أن خلفت عهد النبوة - والمسلمون يعيشون في رضى الله وتمكينه وأمنه وأمانه، كونهم لشرعه مطبقين، ولكتابه معظمين، وبسنته عاملين، وبالجهاد في سبيل الله قائمين، وللكفار غائظين، وفي المعارك والغزوات منتصرين. واستمرت أحوالهم الطيبة وسيرهم العطرة، وملأت أخبارها جنبات التاريخ، وأورثونا مجدا تليدا لا ينبغي لأحد من بعدهم أن يصل إلى عشر معشاره. ولما هدمت الخلافة، انقلبت الأمور رأسا على عقب، وفقدت الأمة الإسلامية توازنها واضطربت أحوالها، وظهر عليها أعداؤها، وخسرت خسرانا مبينا، وحالها اليوم لا يخفى على أحد. ولن تعود إلى سابق عهدها خير أمة أخرجت للناس إلا إذا أقيمت خلافتها من جديد، لترجو من الله بعد إقامتها صعود سلم المجد والنصر وطاعة الله من جديد. فالله الله في دينكم وأمتكم أيها المسلمون، والله الله في شهر رمضان، لا تجعلوه يعود بعد هذا العام إلا تحت راية العقاب، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، تخفق في ربوع العالم الإسلامي ثم في ربوع الأرض كلها، وما ذلك على الله بعزيز.