الخميس، 06 صَفر 1442هـ الموافق 2020/09/24م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

فلسطين: خطبة جمعة "القتل والقتال المستمر ضد المسلمين"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله) بيت المقدس،

 12 رمضان المبارك 1437هـ الموافق 17 حزيران/يونيو 2016م

ولا يزالون يقاتلونكم

 

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يقول سبحانه وتعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}، قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولا يزال مشركو قريش يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك، وعن عروة بن الزبير: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"، أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين، يعني: على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردوهم إلى الكفر، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة. واليوم، وبعد كل هذا القتل والقتال المستمر الذي قام به الكفار الأوروبيون والأميركيون ضد المسلمين منذ هدم الخلافة الإسلامية، يعلن حلفُ الناتو الصليبيُّ بأنه سيتدخل بشكل مباشر في الحرب الدائرة في الشام، وذلك في قرار اتخذه قبل يومين، ما يعني صب مزيد من الزيت على النيران الملتهبة في الشام وما جاورها من بلاد المسلمين. وهذا يستلزم قطعا أن تشارك القوات التركية المسلمة تحت قيادة جنرالات الحلف باعتبارها عضوا فيه. وسنسمع عن قيام طائرات تركية يقودها طيارون مسلمون بقصف مواقع المسلمين العسكرية وتحصيناتهم في الشام، وهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها من المدنيين، وإحداث مزيد من القتل والدمار والتشريد، وبمشاركة إسلامية هذه المرة، تماما كما يحصل في اليمن الذي يئن تحت وطأة ضربات قوات التحالف العربي الخائب. فبئس التحالف تحالفكم أيها اليعربيون، وبئس التحالف تحالفكم مع الصليبيين أيها الأتراك. أرأيتم أيها الخائبون كيف تمكن الكفار المستعمرون من جلبكم للقتال في صفهم ضد إخوانكم، بعد أن كان أجدادكم جميعا في خندق واحد ضدهم عبر قرون طويلة؟ واخيبتاه لكم، ووافشلاه لتحالفاتكم، وواحسرتاه على المصير الذي ينتظركم بعد أن تقوم خلافة المسلمين الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، وتعتدلَ الموازين، وتعود المياه إلا مجاريها! وواخزياه لكم أيها السياسيون والعسكريون، يا من استبحتم دماء إخوانكم وأموالَهم وأعراضهم! وسيحاكم كل سياسي مسلم قرر أن يكون في صف أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وسيحاسب كل عسكري مسلم صوب فوهة سلاحه على مسلم لينال من دمه أو ماله أو عرضه، ولتعلمن نبأه بعد حين أيها القتلة المجرمون.

 

أيها الناس: هذه هي نتيجة التفرق والتشتت الذي أصاب المسلمين بعد هدم خلافتهم، وهذه هي نتيجة غياب ولي الأمر الحقيقي، الإمام الجنة للمسلمين، وتولي أمرهم الحكام الرويبضات الخون العملاء، وهذه هي النتيجة الحتمية للإعراض عن ذكر الله، وهي الضنك في المعيشة، {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}، ولا ضنك أعظم من هذا الضنك الذي يقتل المسلم أخاه المسلم ضمن منظومة القتل الكافرة المستمرة، مصداقا لقوله عز وجل: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}. وإنا نعوذ بالله من هذا الضنك في معيشتنا في هذه الحياة الدنيا، ونعوذ بالله من الحشر يوم القيامة عميا. أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يُسلَّطُ على الكافرِ في قبرِه تسعةٌ وتسعونَ تِنِّينًا تنهَشُه وتلدَغُه حتَّى تقومَ السَّاعةُ، فلو أنَّ تِنِّينًا منها نفَخَت في الأرضِ ما أنبَتَت خَضِرًا.

 

(الخطبة الثانية) أيها الناس: مع استمرار قتال الكفار لنا في كل آونة وحين، ومع استمرار حكامنا في الاستجابة لهم، وتسخير طاقات الأمة الإسلامية العسكرية والاقتصادية وفتح الممرات البرية والبحرية والجوية لهم ليصولوا ويجولوا كما يشاؤون، يخرج علينا أقزام السياسة ممن رضعوا حليب الخيانة من آبائهم وأجدادهم ليدعوا إلى مزيد من تقسيم المقسم من بلاد المسلمين، ففي فلسطين يدعون إلى قيام دويلة فلسطينية مسخ، وفي العراق يدعون إلى إقامة دويلة كردية مسخ، وأخرى شيعية مسخ، وثالثة سنية مسخ، وفي الجزائر يدعون إلى قيام دويلة أمازيغية مسخ، كما أقاموا في السودان دويلة الجنوب المسخ، وفي ماليزيا دويلة سنغافورة المسخ، وفي الشام دويلة لبنان المسخ، والحبل على الجرار في اليمن والسعودية ومصر وغيرها. فإلى متى سنبقى نعد قتلانا في الميدان، ونحصي أرقام البيوت المهدمة، والمساجد المدمرة، والحرائر المغتصبة؟ وإلى متى نبقي ننتظر المزيد من التمزق والتشرذم في بلاد المسلمين؟ وإلى متى يا أمة الإسلام نبقى بلا خلافة وإمام؟

 

أيها الناس: إنه لا يصلح آخِرُ أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أوله، كما قامت دولة الإسلام الأولى على يد النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد من قيام الدولة الإسلامية الثانية على أيدي أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. إذ بعد قيامها الأول ضربت الكفر على أم رأسه، وفلقت هام المشركين، ودانت لها العرب والعجم، ولن يقف قتال الكفار للمسلمين، ولن تنتهي مهزلة التشتت والتشرذم، ولن يتوقف مسلسل القتل والدمار إلا بعد قيام دولة الإسلام مرة ثانية وأخيرة، فتنتهي الأحزان، وتعتدل الموازين، وتقلب الصفحة السوداء من تاريخ المسلمين، وتفتح صفحة جديدة بيضاء ناصعة، تشع نورا وهدى وعدلا وخيرا عميما للبشرية جمعاء. فكونوا من العاملين لها أيها المسلمين، عسى أن تفوزوا بالأجر العظيم الذي أعده الله للعاملين، وتنعموا بالنصر المبين الذي وعدكم به ربكم، {ولن يخلف الله وعده}.