(الخطبة الأولى)
أيها الناس: روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “صنفان من أهل النار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات. رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة. لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا”. في هذا الحديث إخبار عن صنفين من الناس لم يرهما النبي صلى الله عليه وسلم، يظهران بعد مضي زمنه ويكون مصيرهما إلى النار لعصيانهما، وقد عدَّ العلماء ظهورَ هذين الصنفين من أشراط الساعة الصغرى. الصنف الأول: رجال معهم سياط...، والمراد بهم من يتولى ضرب الناس بغير حق من ظَلَمَة الشُّرَط أو من غيرهم، سواء كان ذلك بأمر الدولة أو بغير أمر الدولة. قال النووي: “فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرطة"، وقال السخاوي في الإشاعة لأشراط الساعة: “وهم الآن أعوان الظلمة، ويطلق غالبا على أقبح جماعة الوالي، وربما توسع في إطلاقه على ظلمة الحكام”. والدليل على كون ظهورهم من أشراط الساعة روايةُ الإمام أحمد وفيها “يخرج رجال من هذه الأمة في آخر الزمان معهم أسياط كأنها أذناب البقر يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه”. أما الصنف الثاني: فنساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة. قال النووي في المراد من ذلك: “أَمَّا (الْكَاسِيَات العاريات) فمَعْنَاهُ تَكْشِف شَيْئًا مِنْ بَدَنهَا إِظْهَارًا لِجَمَالِهَا, فَهُنَّ كَاسِيَات عَارِيَات. وقيل: يَلْبَسْنَ ثِيَابًا رِقَاقًا تَصِف مَا تَحْتهَا, كَاسِيَات عَارِيَات فِي الْمَعْنَى. وَأَمَّا (مَائِلات مُمِيلات): فَقِيلَ: زَائِغَات عَنْ طَاعَة اللَّه تَعَالَى, وَمَا يَلْزَمهُنَّ مِنْ حِفْظ الْفُرُوج وَغَيْرهَا, وَمُمِيلَات يُعَلِّمْنَ غَيْرهنَّ مِثْل فِعْلهنَّ, وَقِيلَ: مَائِلَات مُتَبَخْتِرَات فِي مِشْيَتهنَّ, مُمِيلات أَكْتَافهنَّ, وَقِيلَ: مَائِلات إِلَى الرِّجَال مُمِيلات لَهُمْ بِمَا يُبْدِينَ مِنْ زِينَتهنَّ وَغَيْرهَا. وَأَمَّا (رُءُوسهنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت) فَمَعْنَاهُ: يُعَظِّمْنَ رُءُوسهنَّ بِالْخُمُرِ وَالْعَمَائِم وَغَيْرهَا مِمَّا يُلَفّ عَلَى الرَّأْس, حَتَّى تُشْبِه أَسْنِمَة الإِبِل الْبُخْت, هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي تَفْسِيره, قَالَ الْمَازِرِيّ: وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ يَطْمَحْنَ إِلَى الرِّجَال وَلا يَغْضُضْنَ عَنْهُمْ, وَلا يُنَكِّسْنَ رُءُوسهنَّ. وفي الحديث الترهيب والوعيد الشديد من فعل هاتين المعصيتين: ظلم الناس وضربهم بغير حق، وتبرج المرأة وإظهارها مفاتنها وعدم التزامها بالحجاب الشرعي والخلق الإسلامي النبيل. وهَذَا الْحَدِيث مِنْ مُعْجِزَات النُّبُوَّة, فَقَدْ وَقَعَ هَذَانِ الصِّنْفَانِ, وَهُمَا مَوْجُودَانِ. كما قال النووي رحمه الله.
أيها الناس: صار مشهدا مألوفا في فلسطين وغير فلسطين، أن تتأهب قوات الأمن المجهزة بالأسلحة النارية والعصي الخشبية والكهربائية وخراطيم المياه وغير ذلك من مستلزمات تفريق الجموع المسالمة التي تريد أن تعبر عن رأيها في مسألة ما من المسائل التي تهم الأمة الإسلامية، وقد بلغنا من هذه المشاهد حد التخمة، وأكثره ما تغيب عنه وسائل الإعلام التي تزعم دوما أنها تبحث عن القصة الإعلامية لتغطيها بنزاهة ومهنية صحافية مستقلة. ولكن المشهد الذي لم نكن نتوقع أن نألفه هو نزول قوات الأمن الحمساوية في غزة لتستعرض عضلاتها على قوم يسيرون في الشارع مسالمين لم يتعرضوا لأحد بسوء - ولو كان صاحب بسطة يسترزق منها - ثم تضرب هذه القوات بقسوة وجوه الشباب المسلم من الرجال الرجال الذين يخرجون في كل عام ليستنهضوا همم المسلمين للعمل لإقامة الخلافة الإسلامية التي مضى على هدمها تسعة وثمانون عاما عجاف أودت بحياة الأمة الإسلامية أو كادت. فلم يكن متوقعا من حركة مقاومة إسلامية كانت تستنفر مجاهديها لضرب الاحتلال، أن تتستنفرهم اليوم لخدمة الاحتلال ذاته الذي سيفرح بتعطيل عمل سيؤدي في النتيجة إلى خلعه من جذوره. ولم يكن في الحسبان أن يتزامن بطش قوات الأمن الحمساوية في غزة مع بطش مماثل من قوات الأمن التابعة لسلطة رام الله في الضفة الغربية، حيث المنع من إلقاء الدروس والمحاضرات وعقد المؤتمرات، وتهديد أئمة المساجد وأصحاب القاعات والمدارس والساحات والملاعب من توفير المكان المناسب لعقدها، وحيث الاعتقال التعسفي ومداهمة بيوت العاملين لإعزاز هذا الدين ودعاة الخلافة، وترويع أهليهم وجيرانهم، ونصب الحواجز على الطرقات ومداخل المدن، وإنزال اليافطات التي تدعو الناس لحضور المؤتمرات، بل قد وصل بهم الحال إلى اقتحام المساجد وإغلاقها بعد منع المصلين من دخولها أو طردهم من داخلها.
أيها الناس: إن الأمر الأكثر خطورة، ويستحق وقفة تأمل عميق، هو تزامن حملات قوات أمن عباس وحماس هذه مع حملات أشد عنفا وأوسع نطاقا قامت بها أميركا وبريطانيا وروسيا والصين وباقي دول الكفر والاستكبار العالمي على العاملين لإقامة الخلافة، ومنعوهم من عقد مؤتمراتهم على أراضيها، وتردد صداها في دويلات كالأردن ولبنان حيث اعتقلوا في الأولى، وهددت الثانية بسحب العلم والخبر الذي جعل عملهم مرخصا بالقانون منذ أربع سنوات فيها. وعليه فإن تصرفات قوات الأمن الهمجية في الضفة الغربية المحتلة وفي غزة المحاصرة يضع القيادتين السياسيتين في المنطقتين في سلة العمل العالمي الشيطاني لمنع قيام الخلافة والدعوة لها، وتقييد حرية حركة العاملين المخلصين لإقامتها، فلتهنأ أميركا بقوات أمن حماس وعباس!
أسد علي وفي الحروب نعامة
فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى
بل كان قلبك في جناحي طائر
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن العمل لإقامة الخلافة قد أصبح عصيا على المنع، فهو عمل شرعي فرضه الله عز وجل على المسلمين إذا لم يكن لهم جماعة ولا إمام، ووعد من الله عز وجل للعاملين بالاستخلاف والتمكين والأمن، وبشرى من رسول الله عليه الصلاة والسلام بإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، وقد ضرب هذا العمل النظيف الشريف جذوره في الأرض، وبلغت فروعه عنان السماء، وأصبحت الخلافة مطلبا للمسلمين جميعا إلا الشواذ القليل منهم – ولا عبرة بمن شذ – وإن هذا العمل قد ولد قبل أن يولد إسماعيل هنية العسقلاني بعشر سنوات، وقبل أن يولد أي واحد من الذين رفعوا هراواتهم ظلما وعلوا فوق رؤوس المطالبين بتحكيم شرع رب العالمين، فتسيل دماؤهم الطاهرة على وجوههم، ويتفرق جمعهم، ويفشل عملهم، ويقضون الساعات الطوال في الزنازين والمعتقلات، وكل ذنبهم أنهم يقولون ربنا الله، ويريدون إقامة الخلافة التي تطبق شرع الله. والمصيبة أن الذين ضربوهم يزعمون أنهم أولياء لله من دون الناس! ما لكم كيف تحكمون؟
أيها الناس: هكذا يفعل الكبر بأصحابه، فالكبر هو بطر الحق وغمط الناس كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم. فيا إخوتنا في حماس: كيف استكبرتم على إخوانكم، وأنتم من ذاق مرارة الاستكبار عقودا من الزمن؟ فقد ذقتم مرارة استكبار حكام مصر والأردن وسوريا عليكم، وذقتم مرارة استكبار قوات الاحتلال وأعوان الاحتلال، فانقلبتم عليهم وأهرقتم دماء المسلمين منكم ومنهم، فكيف نسيتم ذلك كله، وتعسفتم واستكبرتم وأبيتم إلا أن يصدق فيكم حديث الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي وصف فيه صنفا من أصناف أهل النار الذين كانوا في الدنيا يقومون بما قمتم به في عزة في اليومين الماضيين. يلزمكم الآن – وقبل فوات الأوان - استغفار وتوبة إلى الله العزيز الجبار المنتقم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، ويلزمكم الآن تقديم اعتذار إلى الذين ظلمتموهم بغير وجه حق، ويلزمكم الآن – وقبل فوات الأوان - براءة من العمل الذي يقوده الكفر والاستكبار العالمي الذي تقوده أميركا في محاربة العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. ويلزمكم الآن – وقبل فوات الأوان - أن تنبذوا السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وامتدادها في غزة، وتنضموا إلى صفوف العاملين للخلافة، وإني والله لكم ناصح أمين، فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد. أما الإخوة العاملون لإقامة الخلافة وإعزاز هذا الدين فنقول لهم: صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، وعزاؤنا أنه أوذي من هو خير منا، رسول الله وصحبه، وإنا والله لفي شوق عظيم للقائهم ونحن للخلافة عاملون، وعلى ظلم إخواننا صابرون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.